استغلال الغاز والاستقرار السياسي في موريتانيا

ثلاثاء, 08/08/2017 - 14:38

حبا الله بلادنا بمساحة شاسعة تزخر بثروات وموارد طبيعية هائلة ومتنوعة، من أبرزها وأحدثها اكتشافا الغاز الطبيعي، الذي تشير بعض التقديرات إلى أن الاحتياطيات المتاحة منه قد تبلغ حوالي 50 تريليون قدم مكعب، وحتى الآن أكدت شركة كوسموس (Kosmos) اكتشاف مكامن غازية عالية الجودة بين السنغال وموريتانيا قدرت احتياطها بحوالي 15 تريليون قدم مكعب؛ وربما هذا ما قاد رئيس الجمهورية خلال المهرجان الختامي بنواكشوط إلى التأكيد على أن بلادنا ستكون من أغنى دول المنطقة في بضع سنوات . لكن استغلال هذه الحقول الغازية يتطلب قدرا من الاستقرار والأمن؛ وهذا ما يجعل بلادنا مقبلة على استقرار سياسي، يوفر الظروف المناسبة للشروع في استخراج و تصدير هذا المورد الطبيعي الذي ينمو الطلب العالمي عليه بوتيرة عالية. ويبدو لي أننا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية للاستقرار السياسي :

 

السيناريو الأول : الاستقرار السياسي المؤقت وامبراطورية جنرالات الغاز

 

كل المؤشرات تشير إلى أن عصرالانقلابات، والحكم العسكري قد ولى في إفريقيا بصورة عامة، ودول شبه المنطقة بصورة خاصة. ففي فبراير 2011 فشلت المحاولة الانقلابية للإطاحة برئيس الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، وغير بعيد في مالي مارس 2012 فشل الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس أمادو توماني تورى، كما فشل انقلاب أبريل 2012 في غينيا بيساو، وفي مطلع السنة الجارية فشلت محاولات رئيس غامبيا السابق يحيى جامي الاستمرار في السلطة. هذه الوضعية تشير إلى مرحلة جديدة من الحكم الديمقراطي النسبي الذي بدأت تمليه المتطلبات التنموية محليا والأمنية دوليا؛ وهذا ما قد يفرض على المؤسسة العسكرية في بلادنا انسحابا ظاهريا من المشهد السياسي، و ترشيح مدني يدور في فلكها للانتخابات الرئاسية القادمة، يصاحبه توغل أكثر لعناصرها في المؤسسات المدنية، والشركات بحيث نشهد سيطرة كاملة لكتائب الضباط والجنرالات المتقاعدين على قطاع الغاز حديث النشأة والصناعات الأخرى المرتبطة به، وربما يصل الأمر إلى السيطرة على المجالس الجهوية و الغرفة البرلمانية. هذه الوضعية قد تخلق استقرارا سياسيا مؤقتا يتحدد مداه بمستوى الوعي الشعبي.

 

السيناريو الثاني : الاستقرار السياسي الحقيقي و الدولة المدنية الديمقراطية

 

السيناريو الثاني وهو الأقل تحققا من وجهة نظري لكنه غير مستبعد، هو الخروج من المأزق الراهن الذي تكرر خلال 40 سنة، وذلك عن طريق التحول الديمقراطي الحقيقي الذي يفضي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تملك مؤسسات منتخبة حرة و نزيهة، ترسخ الديمقراطية الأقدر على الدفاع عن مصالح الشعب، الديمقراطية الأقدر على المحاسبة والشفافية في العمل الحكومي.
ونحن نراهن على الوعي الشعبي المتزايد خاصة لدى فئة الشباب التي تشكل حوالي 70% من المجتمع الموريتاني. والمتتبع لنتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة يدرك جليا أن الشعب الموريتاني لم يعد قطيعا تتحكم فيه عصابات النظام الشرائحي القبلي، والتي بدا واضحا من خلال طريقة إدارتها للحملة الأخيرة أنها لم تدرك بعد التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة في المجتمع و تأثير ذلك على التعاطي الشعبي السياسي، وهذا ما قد يمنح الفرصة للتغيير الصحيح الذي يفضي إلى استقرار سياسي حقيقي في
لحظة غفلة من هذه العصابة.

 

السيناريو الثالث : الاستقرار السياسي على فوهة البركان و الدولة العصابة

 

هذا السيناريو الأخطر لكنه غير مستبعد خاصة في ظل الظرفية الحالية التي تتهم فيها المعارضة النظام الحاكم باختطاف البلد منذ2008. ونحن ندرك أن التحالفات بين الشركات العابرة للقارات، والأنظمة الإفريقية الفاشلة تكررت كثيرا، بل إن هذه الشركات لعبت دورا أكثر قذارة تمثل في تأجيج الصراعات والحروب الأهلية سبيلا لاستنزاف ثروات البلدان الأفريقية. وسيكون إعلان الرئيس الحالي عن ترشحه لمأمورية ثالثة بمثابة البيان الأول لتشكيل الدولة العصابة التي تسيطر على كل شيئ، وتستخدم جميع الأسلحة القذرة لضمان خضوع الشعب وإبقائه في حظيرة الجهل والتخلف، مما سيخلق استقرارا سياسيا على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة تحت ضغط تطلعات الشعب المشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة.

 

وهناك مسار رابع أكثر خطورة قد تسلكه البلاد لا قدر الله، وهو الاستقرار الانفصالي فمن يدري؟ عالميا سوق الحرب الأهلية رائجة جدا خاصة إذا تعلق الأمر بالموارد الطبيعية، وبلادنا الآن بعلمين، و دستورين، وقريبا نشيدين وطنيين، وربما مذهبين بعد محرقة الكتب لم يبق إلا الكبريت الذي يحسن الأوربيون وخاصة الفرنسيون وشركاتهم صناعته. نحن لم ولن ننسى أن شركة توتال الفرنسية المستميتة في الظفر بحصة الأسد من حقول الغاز الموريتاني السنغالي هي الوريثة الشرعية لشركة إيلف أكيتين (Elf Aquitaine) التي كانت تحدد سياسة فرنسا في إفريقيا، والتي حولت مكان النفط الكونغولية إلى بحار من الدماء.
في النهاية يبقى الشعب الموريتاني هو الوحيد القادر على تحديد ماهية الاستقرار السياسي الذي يتناسب مع وضعية بلادنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدولية، كما يبقى هذا الاستقرار شرط لأي استغلال للغاز الطبيعي .

د. يربان الحسين الخراشي