طاعة الله أم طاعة الحكام/ أحمد سالم بدي

أحد, 09/03/2017 - 19:31
أحمد سالم بدي - إعلامي موريتاني

كثيرة هي المقالات وكثيرة هي عناوينها ومواضيعها، تختلف باختلاف أصحابها لكن تبقى بعض الحروف صقيلة تغريك بالبقاء وتثنيك عن الرحيل، تجد في تفاصيلها معاني جميلة تدركها لكن لا تحسن التعبير عنها، ومع هذا قلة من تلك البقية تجد فيها حياة وحركية وتفاعلا، قليلة هي الحروف التي تدب فيها الحياة لأن كثيرا مما يكتب لم يكتب بعرق التضحية ونبل الموقف والصدع بالحق والوقوف مع المظلوم والذود عن كرامة المسكين..

 

مواقف عصيبة تمر بها بلاد المسلمين وكان مما يظن ببعض العلماء أن يجهروا بالحق ولو بتغريدات على "تويتر" أو على صفحات "الفيس" لكنهم أبو ذلك وبخلوا وما ضر الحق ألا بواكي له، "إن أقدار الرجال تعرف في ميادين الفعال لا على منابر الأقوال" لو عاش عبد الله عزام حالنا اليوم لحور قوله فالقول مجرد القول لم يعد له رجال فقد حبر القول وزخرف لتنال به حظوة عند إمام جائر لا يكون صاحبه قد سلك طريق سيد الشهداء.

 

في وطني موريتانيا لا استثناء، فمنابر المساجد لا تجدها إلا ترنيمة تمجيد لرائد "العمل الإسلامي" والفاتح العظيم، لو صليت في ألف مسجد ما وجدت خطيبا يقول بوقف الظلم والتلاعب بمصالح الشعب من قبل رئيس جاء بانقلاب.

 

يؤثر عن ابن المبارك قوله: "صنفان من النَّاس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء". أما فساد الملوك فقد عمت به البلوى فما بال العلماء لا يقولون بالحق وقد أوجب الله عليهم بيانه وجعل الرجوع إليهم دينا يتعبد به يقول ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين": "والتحقيق أن الأمراء إنما يُطاعُون إذا أمَروا بمقتضى العلم؛ فطاعتهم تبعٌ لطاعة العلماء؛ فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء، ولما كان قيام الإسلام بطائفتَي العلماء والأمراء، وكان الناس كلُّهم لهم تبعًا، كان صلاح العالَم بصلاح هاتين الطائفتين، وفسادُه بفسادهما.

 

إن من أكبر مظاهر خذلان "العلماء" لدين الله ما نراه اليوم من سرقة لمقدرات الشعوب تبعه قتل لهم وتشريد وتعذيب حين ثاروا وحصار غاشم يقطع الرحم ويزري بالمروءة ولا يرغب في مؤمن إلا ولا ذمة، فقط لأن شعبا ونظاما شكل استثناء في جوقة البؤس والخراب ولأن وسيلة إعلام شكلت صوتا نشازا في ظل طغيان أنكر الأصوات، حتى حج بيت الله تقايض به المواقف السياسية ولا منكر منكم لجرم ليس في حق الشعوب بل في حق الله ومنع ضيوفه زيارة بيته.

 

وفي وطني موريتانيا لا استثناء فمنابر المساجد لا تجدها إلا ترنيمة تمجيد لرائد "العمل الإسلامي" والفاتح العظيم، لو صليت في ألف مسجد ما وجدت خطيبا يقول بوقف الظلم والتلاعب بمصالح الشعب من قبل رئيس جاء بانقلاب ويشرع آخر من خلال تزوير إرادة الشعب، قد يفكر المظلوم عندنا أن يبحث عن واسطة لرفع الظلم عنه لكن صدقوني لن تكون تلك الواسطة رابطة الأئمة ولا مجلس الفتوى والمظالم ولا مفتي الجمهورية ولا حتى عمامة ولحية، سيبحث عمن لن يخذله وسيقف معه، سيبحث عن صاحب بزة عسكرية فهي أكثر هيبة وسلطة.

 

سلطان العلماء قتله علماء السلطان وتطايرت دماؤه في بحر من التأويلات لا تنصر حقا ولا ترد باطلا. أيها العلماء لن نسامح خذلانكم وإنا لا نسألكم عن دم الحيض والنفاس فثمت دماء أولى وأنقى، ولا نسألكم عن التعدد وأحكامه فقد تعددت أساليب الظلم والقهر ولا نسألكم عن طاعة الحاكم بل عن طاعة الله فهي أعظم وأجل. ليس لنا معكم إلا رجاء ألا تكونوا أعوانا للظلمة إلم تقولوا الحق فلا أقل من صمت عن دعم باطل. ذكر أبو عمر في كتاب التمهيد أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبي من أنبيائه: أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا، فقد تعجلت به الراحة، وأما انقطاعك إلي، فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وأي شيء لك علي؟ قال: هل واليتَ في وليا، أو عاديت في عدوا؟!

 

نقلا عن مدونة الكاتب على مدونات الجزيرة.