كورونا ولهيب الأسعار يفاقمان معاناة الفقراء في موريتانيا

أربعاء, 01/27/2021 - 00:26

فاقمت جائحة كورونا الضغوط الاقتصادية على موريتانيا، حيث أعادت موجة الإصابات البلد إلى مربع الإغلاق، في وقت تشهد فيه أسعار المواد الأساسية ارتفاعا قياسيا بسبب الركود التضخمي، ما عمّق متاعب المواطنين.

 

نواكشوط - يواجه المواطنون في موريتانيا ارتفاعا غير مسبوق في الأسعار مما ضرب القدرة الشرائية في ظل إجراءات لمكافحة الوباء، في وقت تتزايد فيه مخاطر اتساع رقعة الفقر في بلد يعد من بين البلدان الأكثر فقرا.

عرفت أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة بموريتانيا ارتفاعا غير مسبوق تراوح بين 10 إلى 30 في المئة على الرغم من تراجع القدرة الشرائية، وهو ما يعرف بـ“الركود التضخمي”.

ويأتي الارتفاع بالتزامن مع إجراءات تفرضها السلطات الموريتانية منذ فترة للحد من انتشار فايروس كورونا، بينها فرض حظر التجول خلال ساعات المساء، ما فاقم معاناة السكان الأقل دخلا، في بلد مصنف ضمن الأكثر فقرا.

وارتفعت أسعار بعض المواد الأساسية ومن بينها الأرز والسكر والألبان والزيوت والخضروات والأسماك واللحوم.

وتعتبر العمالة اليومية مثل الباعة وسائقي سيارات الأجرة الأكثر تضررا من إجراءات حظر التجول، وتفاقمت معاناتهم جراء الارتفاع الحاصل في أسعار المواد الغذائية.

ووفق معطيات رسمية، يعيش نحو 31 في المئة من سكان موريتانيا البالغ عددهم 4 ملايين نسمة تحت خط الفقر.

 
وعبر عدد من المواطنين عن انزعاجهم من غياب أي دور حكومي لضبط الأسعار وحماية المستهلك من مضاربات التجار.

وقال إبراهيم ولد الشيخ وهو سائق سيارة “نعاني ظروفا صعبة في ظل إجراءات حظر التجول التي فرضتها السلطات، إذ لم يعد بإمكاننا العمل خلال ساعات المساء، وهذا أثر علينا بشكل كبير”.

وأضاف “ازدادت معاناتنا في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية خلال الأسابيع الأخيرة، في بعض الأحيان نتناول وجبة واحدة في اليوم، الأسعار لا تطاق”.

فيما طالب سيدي محمد أحمد، وهو بائع في محل للتجزئة بنواكشوط، بإلغاء فرض حظر التجول، قائلا “لقد فاقم الارتفاع الجنوني للأسعار من معاناتنا، خصوصا في ظل فرض حظر التجول خلال ساعات المساء”.

وقدم عدد من التجار والمسؤولين الحكوميين أسبابا متعددة لموجة ارتفاع الأسعار التي تضرب أسواق البلاد.

وقال رئيس “اتحاد أرباب العمل”، زين العابدين ولد محمد، إن ارتفاع الأسعار محليا يعود إلى ارتفاعها عالميا، وارتفاع الطلب على سلعة القمح الأمر الذي رفع سعرها.

وأشار في مقابلة مع تلفزيون “الموريتانية” الحكومي، إلى أن ارتفاع سعر الأرز المحلي يعود إلى تراجع الإنتاج خلال الموسم الماضي، وتلف كمية كبيرة منه جراء ارتفاع منسوب مياه نهر السنغال.

وقال وزير التنمية، أدي ولد الزين، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن الاحتكار هو السبب الرئيس في ارتفاع أسعار الدجاج المستورد في السوق المحلية، خلال الفترة الأخيرة.

ومع تزايد غضب المواطنين من ارتفاع الأسعار، أصدر الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني تعليمات للوزراء بضرورة التحرك لمعالجة أزمة ارتفاع الأسعار، خاصة المواد الغذائية.

ووفق بيان صدر في ختام اجتماع مجلس الوزراء، الأربعاء، أصدر ولد الغزواني تعليماته إلى القطاعات الوزارية المعنية، من أجل إعداد دراسة لمتابعة ظاهرة ارتفاع أسعار المواد الأساسية، واقتراح حلول ناجعة في أقرب الآجال.

وصباح الخميس، عقد عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين اجتماعا لبحث مواجهة الارتفاع المسجل في أسعار المواد الأساسية في البلاد.

وضم الاجتماع وزراء التجارة الناها بنت حمدي ولد مكناس، والمالية محمد الأمين ولد الذهبي، والصيد والاقتصاد البحري عبدالعزيز ولد الداهي، والتنمية الريفية أدي ولد الزين، والبترول عبدالسلام ولد محمد صالح، والنقل محمد أحمدو امحيميد.

وانتقدت عدة أحزاب سياسية الارتفاع الحاصل في أسعار المواد الأساسية، معتبرة أن ارتفاع الأسعار بهذا المستوى غير مبرر.

وقال حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “الحكومة لا تحرك ساكنا ولا تقدم تفسيرا مقنعا لهذه الزيادات التي لم تقتصر على مادة واحدة، وإنما شملت أغلب المواد الغذائية الأساسية التي يحتاجها المواطن في يومياته”.

وقال الحزب في بيان له، إن نسبة الزيادة على كيس الأرز من فئة 50 كلغ بلغت 21 في المئة، في حين سجل سعر كيس السكر فئة 50 كلغ زيادة وصلت 6.5 في المئة، ووصلت الزيادة في سعر الزيت 20 لترا 36 في المئة، والدجاج 66 في المئة.

وفي نوفمبر الماضي، وصف البنك الدولي الاقتصاد الموريتاني بأنه “بالغ الحساسية للصدمات الخارجية كاضطراب أسعار المواد الأولية والظروف المناخية والأزمات السياسية”، مردفا أنه “يعتمد على المساعدات الدولية”.

وقال البنك الدولي في تقريره السنوي عن الاقتصاد الموريتاني إن موريتانيا تصنف “ضمن الدول الأقل تطورا حيث تحتل المرتبة 160 من أصل 189 دولة، حسب الترتيب العام المعتمد على مؤشر النمو البشري”.

كما لفت إلى أن مستوى الفقر انخفض في موريتانيا سنة 2014 من 42 في المئة إلى 31 في المئة.

30

في المئة نسبة ارتفاع أسعار المواد الأساسية مما ضرب القدرة الشرائية وسبب الركود التضخمي

وكانت الحكومة الموريتانية قد أطلقت خلال سبتمبر 2020 حزمة إنقاذ لتسهيل تعافي الاقتصاد، حيث أعلن الرئيس الموريتاني خطة تمويل ذاتي بحوالي 650 مليون دولار أميركي.

واستهدفت الحزمة تحقيق الشروط الضرورية لانتعاش اقتصادي جديد وفق مقاربة تشاركية شاملة تمنح القطاع الخاص دورا اقتصاديا فاعلا وتعمل على خلق المزيد من فرص العمل.

ولكن الموجة الثانية للوباء عرقلت تعافي الاقتصاد نظرا للعودة إلى مربع الإغلاق ما عطل الأنشطة التجارية والمهن الحرة، مما زاد في تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، فضلا عن المضاربة والاحتكار من قبل التجار.

وتكافح موريتانيا ضغوطا كبيرة تتمثل على وجه الخصوص في نسبة مديونية مرتفعة، وطالبت  أكثر من مرة بإلغاء كامل ديون القارة الأفريقية، حتى تتسنى لها مواجهة الواقع الذي فرضته مواجهة الوباء، وتحديات التنمية والأمن.

وكانت الحكومة قد قالت في 2019 إن ديون البلاد، التي تمثل 73 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أخذت بشروط ميسرة وهو ما أكده صندوق النقد الدولي.

وقالت حينها “إن القروض التي حصلنا عليها أنفقت في مشاريع وبنى تحتية، وليست من أجل الدراسات والدعم المؤسسي واقتناء السيارات وتأثيث المكاتب”.

وأوضحت أن هذه البنى التحتية هي التي ستسمح ببناء اقتصاد قادر على حل المشاكل عبر إنتاج الثروة وتوفير فرص العمل والموارد المالية الضرورية لتأمين الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وماء وكهرباء للمواطنين.

وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي راجع في جزء منه إلى أن قياس الناتج المحلي الإجمالي لا يأخذ بما فيه الكفاية مساهمة القطاع غير الرسمي.

ورغم تلك التبريرات، إلا أن صندوق النقد يرى أن موريتانيا أمام خطر كبير يهدد بوصولها إلى مستوى المديونية الحرجة عند تطبيق المعايير الدولية لاستدامة الديون.