حين وجد ولد صلاحي نسخة من القرآن الكريم في غرفة عفنة بغوانتنامو ( الحلقة الثالثة)

أربعاء, 02/04/2015 - 14:47

واصلت الكراسي التجول في الغرفة والارتطام بالحيطان والأرضية، وكنت أعرف ـيقول ولد صلاحي ـ أن الهدف من وراء ذلك هو لفت انتباهي وإزعاجي لذلك واصلت لعب اللعبة وأنا أرتجف إيهاما لهم أني أخاف أكثر من اللازم لأني كنت أظن أن الأمريكيين لن يصلوا إلى حد التنكيل بي رغم أنني لم أستبعد ذلك الاحتمال.

ـ سنواصل التحقيق معك لاحقا ـ يقول أحدهم

وفي هذا الخضم يحاول المترجم شرح الحديث لي بلغة عربية متكسرة.

ـ خذوه إلى الفندق، يقول المسؤول الذي تولى عملية التحقيق معي، وحين ذلك سكت المترجم دون أن يعرب لي المفردات التي صدرت من فم المحقق.

وبهذه الطريقة انتهت أولى جلسات التحقيق معي، قبل أن يأخذ أحد أفراد الحرس الذين يرافقونني بيدي، حيث حاولت أن أتواصل مع المترجم ولو قليلا رغم كل الرعب الذي كان يحيط بي.

ويضيف ولد صلاحي أنه سأل المترجم عن الطريقة التي تعلم بها العربية التي بات يتحدثها بشبه طلاقة ليجيبه قائلا لقد تعلمتها في الولايات المتحدة الأمريكية، وأحسست أنه أحس بإطرائي رغم أن العربية التي كان يتحدث في جوهرها أشيه بالمعجزة ولكنني كنت فقط أحاول من خلال إطرائه أن أخلق أصدقاء جدد في هذا العالم المترع بالرعب.

وحين كنت في الطريق إلى الخروج من القاعة، سألني أحد الحراس بلغة عربية مترعة باللكنة الآسيوية قائلا :"هل تتحدث اللغة الانكليزية"؟ فأجبته قائلا لا أتحدثها بطلاقة لكنني أتحدثها قليلا، حينها دخل هو ورفيقه في موجة من الضحك وحينها أحسست بأنني إنسان يستطيع أن يناقش في أريحية مع مرافقيه.

أنظر كم هم ودودون هؤلاء الأمريكيون ـ أقول لنفسي ـ ، إنهم سيحققون معك خلال يومين أو ثلاث في الفندق وبعدها يرسلونك إلى بلادك دون مشاكل لذلك لا داعي لقلقك .الأمريكيون يريدون فقط التحقيق معك لإثبات براءتك وأنت الآن موجود في قاعدة أمريكية على التراب الفلبيني ورغم أن حالتك ليست في حدود الشرعية إلا أنها حالة مؤقتة".

كانت حقيقة أن أحد حراسي يتحدث بلكنة آسيوية تزيد في نفسي فرضيتي الخاطئة تماما والقائلة بأنني موجود على التراب الفلبيني، إلا أنني وجدت نفسي في لحظات وأنا داخل غرفة خشبية ضيقة وليس داخل فندق كما توقعت وسمعت من المحققين، لقد كانت غرفة وسخة بلا مراحيض وبلا صنبور ماء تتوسطها أريكة رقيقة مستعملة  وغطاء قديم، وكان من الظاهر تماما أن آخرين سبقوني لهذه الغرفة التي تعد بوابة الجحيم.

ويعرب ولد صلاحي في حديثه عن ظروف اعتقاله، عن فرحه بمغادرة الأردن التي كانت أرضا غير لائقة في أي منحى من مناحي الحياة ، لكنني  ـ يضيف ولد صلاحي ـ كنت مشغولا في التفكير في صلواتي التي ضيعتها طيلة رحلتي خصوصا وأنني لم أكن أعرف مقدارها ولا توقيتاتها.

لقد كانت غرفتي محروسة من قبل سيدة بيضاء ذات قوام رقيق وهو الشيء الذي دفعني للإحساس ببعض الارتياح خصوصا وأنني خلال الأشهر الثمانية الماضية لم أحرس إلا من قبل الغلاظ الشداد أصحاب العضلات المفتولة.

سألتها ( وهنا نستعمل ضمير المؤنث لأن المحو الوارد في النص يحيل إلى أن المتحدث معها سيدة )، عن الساعة، فأجابتني الساعة 11 حينها سألتها عن يومنا هذا قائلا في أي يوم نحن، أجابتني لا أدري ففي هذا المكان ثمة تشابه كبير بين الأيام ولا نعرف التفريق بينها، حينها فهمت أنني أكثرت في سؤالها خصوصا وأن الأيام ستثبت لي أنها كانت تستطيع ألا تجيبني عن سؤالي بخصوص الساعة.

ويضيف ولد صلاحي": وجدت نسخة من القرآن الكريم مطروحة بعناية على بعض قنينات الماء حينها أدركت تماما أنني لم أكن الوحيد في هذا السجن وأنه ليس فندقا بل هو سجن متكامل الظروف السجنية القاهرة.وجدتني لاحقا  ـ يؤكد ولد صلاحي ـ في أكثر الغرف رداءة في السجن ولقد رأيت أرجل أحد المعتقلين مقيدة وكانت جمجمته مغطاة بالكامل بكيس أسود لذلك لم استطع رؤية وجهه، إلا أنني لاحظت لاحقا أن الجميع يملكون الأكياس السوداء على رؤوسهم ولا أدري هل الهدف منها هو حجب أبصارهم عن الرؤية أو فقط حجب وجوههم عن الآخرين، ومن أجل أن أكون صريحا لم يكن يروق لي الوضع الذي رأيت فيها ذاك السجين خصوصا وأنني لست ممن يستطيع مراقبة آلام الآخرين، ولا استطيع أن أنسى أبدا آلام وصراخ أحد المعتقلين ونحن في الأردن وقد كنت أغلق أذني بيدي كلتيهما كي لا يصل صراخه إلى مسامعي  ولكن كل محاولاتي كانت عبثية إذ أن صراخه كان السبب الرئيس في اصطكاك مسامعي وكان ألمه أكثر إيلاما عندي من آلام التعذيب.

رفضت حارستي على الباب السماح للحراس بالدخول علي وتنظيم عملية نقلي إلى غرفة أخرى مشابهة للسابقة حيث يكمن الفرق البسيط بينهما في أن الغرفة الجديدة كانت في الجانب الآخر من الرواق وفيها وجدت قنينة ماء كتبت عليها حروف بالسريالية مما جعلني أندم على عدم تعلمي للغة الروسية، وكان التساؤل المسيطر على ذهني هو ماذا تفعل الحروف الروسية في قاعدة أمريكية في الفلبين؟ خصوصا وأن الأمريكيين لا يحتاجون لأي شكل من أشكال الدعم من قبل الروس دون أن أحتسب أن كل هذه التفاصيل لا تدخل نهائيا في حدود المعقول مما دفعني للتساؤل مرة أخرى أين أنا الآن؟ هل أنا في جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتية السابقة مثل طاجاكستان!لأخرج بخلاصة بسيطة مفادها ان كل ما أعلمه عن وجودي هو أنني لا أعلم شيئا عن مكان وجودي

لم تكن غرفتي تحتوي على أي من مستلزمات الحياة فالوضوء قبل الصلاة كان مستحيلا وممنوعا في آن معا، ولا وجهة توضح مكان القبلة، فكان لا بد لي من أن أعايش مع عتهي خصوصا وأن جاري القريب كان يرغي بلغة لم تبدو لي مألوفة إلا أنني اكتشفت لاحقا أنه من بين قادة طالبان.

يتواصل ..

"الفجر" تنوه إلى أنها لا تقوم بترجمة مذكرات ولد صلاحي بقدر ما تقدم قراءة في بعض المقتطفات دون ترجمة الكتاب بشكل كامل، مقتطفات نقرأها لكي نضع بين يدي القارئ الكريم معلومات وافية عن ظروف اعتقال مواطن موريتاني سلمته بلاده ليسجن في أكثر  سجون العالم بؤسا.