السعودي ولد جدان يكتب: دول الساحل تخزي الاستعمار الجديد : المعركة مع النمور الورقية

خميس, 03/12/2026 - 01:45

تخوض دول الساحل الإفريقي تجربة جيو سياسية مثيرة للاهتمام فليست الأنظمة التي تحكم مالي والنيجر وبوركينا فاسو – خصوصا بوركينا فاسو – مجرد أنظمة عادية استولت على السلطة من خلال انقلابات مدفوعة بالنزعة العسكرتارية.
من ينظر إلى شعارات هذه الأنظمة وسياساتها الاقتصادية وإجراءاتها الرامية إلى تصفية الاستعمار ، وطبيعة تحالفاتها العسكرية والإستراتيجية التي تتجاوز الأحلاف التقليدية المكرسة للتبعية والهيمنة الغربيتين يدرك حجم الطبيعة الثورية لهذه الأنظمة.
ماذا يعني رفع الرئيس البوركينابي ابراهيم تراورى شعار : خيرات بوركينا فاسو للشعب البوركينابي وحده دون غيره.؟
أليس هو عينه شعار باتريس لومامبو <<خيرات إفريقيا للأفارقة>>؟ إن الشعار الأول ليس إلا انبعاثا تاريخيا وصدا خالدا للنداء التاريخي الذي أطلقه الزعيم "باتريس لومامبو" مبكرا عندما استيقظت إفريقيا يقظتها التي أجهضت من خلال مسرحية الاستقلالات الوطنية ، وهو من جهة أخرى دليل على أن الأصوات الأصيلة والصرخات الجادة لا تموت بموت أصحابها قد تخنق وتسكت إلى حين ، لكن روحها تبقى في النفوس حاضرة وفي الواقع وبإمكانها الظهور في أي وقت وممارسة الفعل كدليل ونبراس ينير درب النهضة الحضارية لشعوب قارة بأكملها مجسدا إرادتها في النهوض وإرادة أبنائها في الحياة الكريمة في ظل الحرية والاستقلال والرخاء.
شعار الزعيم الوطني إبراهيم تراورى الذي يشاطره إياه رفقاؤه أسمان كويتا وعبد الرحمن شاني ليس شعارا أجوفا فارغا وإنما يجد له ترجمة في الواقع من خلال بناء اقتصاد قوي ، يلبي حاجات المواطن ورغباته عبر تحرير موارد البلد الاقتصادية من النهب النهم الذي تمارسه القوى الاستعمارية والامبريالية ، لقد دعى الزعيم البوركينابي هذه القوى إلى مراجعة سياساتها وبالتالي الاتفاقيات التي ابرمتها مع البلدان التي اعتبرتها بقرة حلوبا ومنها بلده. مراجعة تنصف شعوب هذه البلدان وتضع حدا لحرمانها من خيراتها ، وجهز البديل الذي هو روسيا والصين معتبرا أن شراكة على أسس من التكافئ وتبادل المصالح هي وحدها ما يضمن استفادة البلد من ثرواته وبلوغ مطامحه.
لا تسعى الصين والروس إلى أكثر من شراكة ندية مستشعرة قوة المنافس ، بينما لا تقتنع الرأسمالية الغربية بأقل من عاداتها في الاستيلاء على ثروات الشعوب ومص دمائها والثراء على حسابها. فما الذي يجعل الأنظمة الرجعية مصرة على التمسك بها ولا ترضى بديلا لها ؟ هل هي العمالة والخيانة ؟ أم أنه الجهل والضعف والشذاجة؟
تقليديا دأبت الأنظمة الاستعمارية والامبريالية على ابتزاز الأنظمة الرجعية إما الخضوع إلى حد العبودية أو الحروب والإطاحة بها؟
الأنظمة الثورية لا تخشى الاستعمار والامبرالية اللتين تلوحان بالقوة وتمارسانها لإعاقة الشعوب دون بلوغ أهدافها بل يرى فيها مفكروها أمثال الزعيم الصيني "ماوتسي تونك" (نمورا من ورق) "هوشي من" الفيتنامي الذي مرغ أنف أمريكا في التراب خلال الحرب الفيتنامية وقاد فيتنام إلى النصر المؤزر أشد احتقارا للاستعمار والامبريالية من ماوتسي و"كارلوس" الفينزولي كذلك.
أما الثوار الأفغان فهم درس آخر أشد بلاغة من أي درس في التاريخ : المفاوض الأفغاني بعد ما أدركت أمريكا حتمية هزيمتها وضرورة البحث عن مخرج للانسحاب من خلال التفاوض ، صاح في وجه مفاوضه الأمريكي الذي هدده بقبول شروطه أو البقاء عشرين سنة إضافية في بلده ، <<عشرين سنة فقط ؟! ابقوا هنا ما شئتم ، لكن ثقوا أنكم لن تنعموا بالاستقرار وعندما عرض عليه التخلي عن سلاحه مقابل انسحاب أمريكا من بلده كقوة غازية ، رد عليه بكل برودة أعصاب "آسف" هذا السلاح هو ما جعلك تأتي إلى هنا تطلب التفاوض>>.
الثوري الأصيل من نوع : "مانديلا، باتريس لومامبو، توماس سانكرا، إبراهيما تراورى، مؤمن بأنه عرضة للاغتيال والتصفية في كل وقت من طرف الأعداء وللغدر والخيانة من طرف الخونة العملاء ، لكنه يؤمن بحتمية النصر في المعركة كجزء من حتمية انتصار الحق على الباطل.
لكن السؤال الذي يتعين طرحه هنا هو : ما هو موقع موريتانيا في هذه المعركة التي لا يمكن أن تهرب منها ومن تأثيرها لأنها تقع على الحدود وعلى باب البيت ؟ تشبه إلى حد ما مشاكلنا ، تلك التي يعاني منها جيراننا – فأوضاعنا متردية والأسعار غالية ، وحال المدرسة مزري ، والمنشآت الصحية تدعوا للقرف. خيراتنا تنهب مثلما كانت خيراتهم ، نعيش حرمانا شبه كاملا من هذه الخيرات. تجبى الضرائب ولا أحد يعرف أين تذهب الأموال المجباة ، يزور عندنا كل شيء من أدورية وأغذية وملابس فتنهشنا الأمراض والأوبئة ونحن نمارس عادتنا المفضلة في الفرجة.
يا للمفارقة والغرابة! لدينا تعددية في النقابات؟! شيء لا يصدق التعدد يكون مفهوما في السياسة نظرا لتعدد الآراء واختلاف المصالح السياسية أما في المجال النقابي فمبرر وجود النقابة ودورها هو الدفاع عن مصلحة منتسبي المهنة الواحدة مصلحة منتسبي النقابة ويتم الدفاع عن المنتسب بغض النظر عن لونه أو عرقه أو جنسه أو انحداره الاجتماعي والطبقي أو انتمائه السياسي الأيدلوجي هذه ببساطة روح النقابة وذلك دورها ولا مجال للتعدد. يبقى أن التعدد هنا من باب المبدء المعروف فرق تسد.
لدينا كذلك أحزاب كرتونية ، كرتونية كلها – إلا ما رحم ربك – بالعشرات أو بالمئات وتنقسم إلى يمين ويسار ، موالاة ومعارضة ، حالها حال الحركات السياسية في الوطن العربي كما مسرحها وسخر منها الشاعر الكبير نزار قباني <<وحدويون والبلاد شظايا ***كل جزء من جسمها أشلاء؟! ماركسيون والجماهير تشقى فلماذا لا يشبع الفقرا؟!>> وفي إشارة للاتجاه الإسلاموي أو من عبر عنهم بالراكعين في معبد الحرب ، يدعوهم إلى تمزيق جبة الدراويش وأن يتركوا أولياءنا بسلام متسائلا <<أي أرض أعادها الأولياء؟! ليصل إلى نهاية حاسمة أن لا يمين يجيرنا أو يسار ، تحت حد السكين نحن سواء>>.
هل لدينا برلمان؟ نعم لدينا برلمان برئيسه ونواب رئيس ورؤساء لجان، وفرق برلمانية وأعضاء الجمعية الوطنية هم النواب الذين لا يحملون صفة أخرى ، لكن ما هو الشغل الشاغل لكل هؤلاء؟ الهم الوحيد لهؤلاء هو المصادقة على مشاريع القوانين والاتفاقيات التي تقدم من طرف الحكومة ، بغض النظر عن مضمونها وانعكاسها سلبا أو إيجابا على مصلحة البلد والمواطن.
لدى هؤلاء شغل كبير يتمثل في البحث الحثيث من خلال الوساطة عن فرص عمل للأولاد والبنات ومن في حكمهم من إخوة وأخوات الزوجة فقط وفقط هؤلاء !.
مع الاستعداد الكامل لدفع الثمن طبعا من المواقف والكرامة.
أين هي النخبة؟ لدينا نخبة كذلك لكنها محبطة ، مهمشة ، مستقيلة ، غائبة ومغيبة ، تقتات على الفتات وتمارس حقها في الصمت.
وهكذا حال البلد وهكذا حال أهله لا مبالاة مطلقة إطلاق يد النظام وأزلامه كي يعيثوا فسادا في الأرض دون وازع من ضمير ولا رادع من خوف.
الرأي العام الموريتاني يجمع على شيء واحد ، اهتمام فريد ينتظرونه كل أسبوع ، ليفتحوا التلفاز ويتسمروا حوله بكل انتباه وكأن على رؤوسهم الطير ، يوم واحد في الأسبوع يحظى بكل هذا الاهتمام : النخبة ، الأثرياء ، متنفذون وعامة : إنه اليوم الذي ينعقد فيه مجلس الوزراء (الموقر) ليتلقفوا أخبار من عين ومن أقيل ، ثم يعودوا إلى سباتهم العميق ، ولامبالاتهم البلهاء ، وإذا هذا أحدهم فسيكون من قبيل مفردات الشرائحية البذيئة أو لغة الخشب الساقطة في تمجيد من يحكمون البلاد إلى حد تأليههم.
الدعوة من هذا المنبر موجهة إليكم يا ساسة البلد وأحزابه ونخبه ونقاباته وطلابه ونوابه : إذا لم يكن لديكم ما يملأ الفراغ أو ليس لديكم ما تقولون فعليكم بطرح مشاكل المجتمع حول الحرية والمساواة والعدالة.
تحدثوا عن الأسعار وارتفاعها الجنوني ، تحدثوا عن ضعف القوة الشرائية للمواطنين وتدني الأجور ، تحدثوا عن نهب ثروات البلد والاتفاقيات الجائرة التي تضمن النهب ، اقتدوا بجيرانكم في السعي للتحرر واستعادة السياسة على ثروات بلدكم ، تأسوا بالجيران الوطنيين وهم يحولون البلد إلى ورشة كبيرة للصناعة ومزرعة شاسعة لضمان الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض مثل الجزائر التي تعيش تجربة نموذجية جديرة بأن يحتذى بها.
تذكروا الرئيس محمد ولد عبد العزيز وهو يرفع الشعارات الكبرى : تجديد الطبقة السياسية ، محاربة الفساد ، وضع خطة للانجازات الكبرى : المطارات ، المستشفيات ، المستشفيات التخصصية والمستشفيات الجهوية في كل الولايات والبنى التحية والمنشآت العامة.
حثوا النظام القائم والقائمين على الأمر على وضع حد لموقف المتفرج اتجاه مشاكل البلد والمجتمع ، الموقف الذي لا يقطعه إلا الرقابة البوليسية للمواطنين وإسكات أي صوت حر أو صيحة صادقة.
بلد هذه حال الأوضاع فيه وتلك حال محيطه الجيو سياسي وذلك حال النظام المتسلط على رقاب مواطنيه جدير بأن يطرح فيه السؤال القديم الجديد الذي طرحه أحد المفكرين يوما عند مفترق الطرق قبل سقوط نظام معاوية ولد الطايع إلى أين نسير؟