رسالة الشيخ سيديّا إلى الجنرال فيدرب: وثيقة تاريخية تُنشر لأول مرة

سبت, 03/28/2026 - 01:54
د. سيدي أحمد ولد الأمير - باحث موريتاني

جدول المحتويات

نص رسالة الشيخ سيديا الكبير إلى الجنرال فيديرب:

يوم أمس وفي مجلسٍ عامرٍ بالأدب والعلم، جمعني حديثٌ نفيس مع الأخوين الفاضلين والسيدين الكريمين: عميد سلك المحامين السابق الأستاذ أحمد ولد يوسف ولد الشيخ سيديّا، والوزير الأول السابق المهندس إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديّا، فتذاكرنا بعض سِيَرَ السلف، واستحضرنا مناقب الشيخ سيديّا الكبير، ذلك العَلَم الذي نهض في زمن الاضطراب مقامَ الإصلاح، وسعى في ترسيخ السِّلم الأهلي، وجمع الكلمة، والذبّ عن حمى الإسلام، جامعاً بين بصيرة العالم وحكمة المصلح ورباطة القائد.

 

وقد تطرّق بنا الحديث إلى ما نشره الباحث الفرنسي المهتم بتاريخ موريتانيا ألبير ليريش (ت 1957)، إذ أخرج سنة 1952 في مجلة المعهد الفرنسي لإفريقيا السوداء رسالتين للشيخ سيديّا الكبير، إحداهما موجّهة إلى الوالي الفرنسي بالسنغال الجنرال لويس فيدرب (ت 28 سبتمبر 1889)، والأخرى إلى السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الرحمن بن هشام العلوي (ت 11 سبتمبر 1873). غير أنّ النظر الفاحص في عمل ليريش يكشف أنّه لم يظفر بالنص الكامل لرسالة الشيخ إلى فيدرب، بل اعتمد على نقلٍ مبتورٍ اقتصر على صدر الرسالة وخاتمتها، فغاب بذلك كثيرٌ من سياقها، وانطمست معالم من بنيتها الخطابية ومقاصدها التداولية.

 

وهنا تجلّى موضع الفائدة، إذ أخبرتهما - في سياق ذلك الحديث - أنّي أمتلك نسخة أصلية تامّة من رسالة أخرى للشيخ سيديّا موجّهة إلى الجنرال فيدرب، يوجد أصلها في مكتبنا الخاصة إلى جانب جملةٍ من الوثائق النادرة المتصلة بتراث الشيخ، من مراسلاته الاجتماعية، وفتاواه الفقهية الرصينة التي تشهد بسعة علمه، ودقة نظره، ونفاذ بصيرته في تنزيل الأحكام على وقائع زمانه. وهو ما يفتح أفقاً جديداً لإعادة قراءة هذا اللون من المراسلات، لا بوصفها نصوصاً تاريخية جامدة، بل باعتبارها وثائق حيّة تكشف عن هندسة الخطاب الإصلاحي عند الشيخ، وعن كيفية موازنته بين مقتضيات الدعوة، وحسابات السياسة، وأخلاق العلماء في مخاطبة الخصوم.

 

تمثل هذه الرسالة وثيقة عالية الدلالة في فهم طبيعة خطاب الشيخ سيديّا الكبير تجاه القوى الأوروبية في زمنه وخصوصا الفرنسيين، حيث لا يكتفي بمخاطبة الجنرال فيدرب من موقع الواعظ أو الداعية، بل يتقدم إليه بوصفه منظِّراً لإصلاحٍ شاملٍ يقوم على إعادة ترتيب العلاقات السياسية والاجتماعية وفق منطق الشرع والمصلحة. فالشيخ يعيد تأطير موضوع الرسالة من مجرد نزاع أو تدبير مرحلي إلى قضية "إصلاح البلاد الذي به صلح العباد"، رابطاً بين استقرار العمران واستقامة الدين، ومؤسساً خطابه على مزيج من النصح والإنذار والدعوة إلى الهداية.

 

وفي قلب هذا التصور، يبرز توجيهه العملي الواضح بضرورة إعادة بناء العلاقة مع القوى المحلية، إذ يدعو الشيخ سيديا الجنرال فيدرب إلى معاملة أمراء البلاد، من الترارزة والبراكنة وإدوعيش، معاملة تليق بمكانتهم، تقوم على الإحسان إليهم، واحترام سلطانهم، والاستمرار في دفع الإكراميات (آمكبل) التي جرت بها الأعراف السياسية بين الفرنسيين وهذه الإمارات، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لاستقرار البلاد وتجنب الفتنة. كما يقرن هذا التوجيه بردّ المظالم، وفي مقدمتها إطلاق سراح من أُخذ من المسلمين أسارى عند الفرنسيين، بما يجعل العدل أساس السلم، لا مجرد القوة.

 

وإلى جانب هذا البعد السياسي العملي، يظل الأفق الدعوي حاضراً بقوة، إذ يعرض الشيخ على مخاطَبه مسار النجاة عبر الدخول في الإسلام، مستحضراً منطق الثواب والعقاب، ومؤسساً خطابه على قاعدة "من سن سنة حسنة"، في مزج لافت بين إصلاح الحكم وهداية الاعتقاد. وهكذا تتكشف الرسالة عن رؤية مركبة، لا تفصل بين الدين والسياسة، بل تجعل من إصلاح العلاقة مع الداخل، واحترام البنى المحلية، والعدل في المعاملة، مدخلاً إلى السلم، ومن السلم طريقاً إلى الهداية.

 

وهذه الرسالة غير مؤرخة وأعتقد أنها كتبت قبيل الرسالة التي نشرها الباحث ألبير ليريش بقليل، وتلك الرسالة التي يرى ليريش أنها كُتبت في النصف الثاني من سنة 1856، أي بعد سنتين من تعيين فيدرب حاكماً على السنغال (16 ديسمبر 1854)، وبعد بداية حملاته الأولى ضد الترارزة، وقبل سنتين من توقيع معاهدة السلام بينه وبين الأمير محمد الحبيب (10 شوال 1274 = 20 مايو 1858)، أمير الترارزة المتوفى في 29 صفر 1277هـ أي 15 سبتمبر 1861م).

 

نص رسالة الشيخ سيديا الكبير إلى الجنرال فيديرب:

الحمد لله على نعمة الإيمان والإسلام والصلاة والسلام على خير الأنام وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الزحام.

هذا وإنه من عبد ربه الغني به: سيديَّا بن المختار بن الهيبه إلى أمير اندر، سلام على من اتبع الهدى وخالف النفس والهوى، أما بعد فاعلم أن جوهر مكتوبك المنبئ عن مطلوبك قد قدم رسوله به إلينا، فنظرنا جميع ما فيه، وعلمنا ما تضمنه من الصواب وما ينافيه، مع ما فيه من الإجمال والتفصيل، وما فيه من التقصير لبعض الكلام والتطويل، واطلعنا على ما ذكرت فيه من شأن محمد لحبيب وشأن إدوعيش وشأن البراكنة وغيرهم. وحصل عندنا أن حاصل فائدته إنما هو في إصلاح البلاد، الذي به صلح العباد. وقد كتبت أنك ترجو منا أن نبذل جهدنا فيه، وأن مثلنا يتحتم عليه أن يجعل همته في إصلاح الأرض التي يسكنها، وإصلاح فرق المسلمين التي هو منها.

 

ونحن آخذون الرأي على وجه النصيحة [وننظر] ما إذا فعلته [فانتفعت به] بلاد المسلمين، وانتشرت العافية...

 

وجه إذا فعلته سلمت في الدنيا والأخرى وسلم من معك من فيه من جميع المكاره الدنيوية والأخروية، ويحصل لك مع ذلك أن يكون لك أجرك وأجر من عمل ما عملت به من أتباعك، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئا. ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

والثاني منها: أن تفعل ما تحصل به العافية لعياد الله، وذلك بأن ترد جميع من أخذه النصارى من المسلمين، وآمكبل لأمراء بني حسان الذين هم المالكون لهذه الأرضين، ما كانوا يأخذون من المداراة عند النصارى ترسل إليهم بذلك عاجلا مع من يثقون به من طلبتهم، وهو زين لك، وتكتب لهم كتابا فيه من الكلام الحسن ما تطيب به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم. فإذا... من الأمر أفضل لك بإذن الله....