
تتجه موريتانيا خلال عام 2026 إلى ترسيخ موقعها كواحدة من أكثر الأسواق الواعدة في غرب أفريقيا، مستفيدة من التطورات المتسارعة في قطاعات الغاز والتعدين والبنية التحتية، فبعد عقود ارتبطت خلالها صورتها الاقتصادية بالاعتماد على الموارد الطبيعية، تدخل البلاد مرحلة جديدة تقوم على تنمية سلاسل القيمة المحلية، وتنويع الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز دور الاستثمار الخاص في دفع النمو
ووفقاً لتقرير صادر عن MarcoPolis باتت موريتانيا تمثل وجهة استراتيجية للمستثمرين والشركات الصناعية والمؤسسات المالية بفضل موقعها عند ملتقى قطاعات الطاقة والتعدين واللوجستيك والزراعة وما توفره من فرص واعدة في هذه المجالات
ويشير التقرير إلى أن البلاد تمر بمنعطف اقتصادي حاسم إذ لم تعد تُعرّف فقط باقتصاد قائم على التعدين والصيد ولاحقاً الغاز بل بدأت في بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً يهدف إلى تحويل الثروات الطبيعية إلى قاعدة إنتاجية أوسع وأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة وتلتقي رؤية السلطات الوطنية مع تقديرات المؤسسات الدولية حول أهمية استثمار التحسن المسجل في المؤشرات الاقتصادية الكلية من أجل بناء قطاعات إنتاجية وخدمية وبنى تحتية تدعم نمواً أكثر شمولاً بقيادة القطاع الخاص
وبحسب التقرير لم تعد موريتانيا مجرد دولة مصدّرة للمواد الخام بل أصبحت تتجه تدريجياً إلى لعب دور مركز إقليمي للطاقة والتعدين والصيد والخدمات اللوجستية بين غرب أفريقيا والمغرب العربي والأسواق الدولية وتتمثل جاذبية البلاد اليوم بالنسبة للمستثمرين ومقدمي الخدمات والفاعلين الصناعيين والمؤسسات المالية في تنامي الطلب على التحويل المحلي والبنية التحتية والطاقة والخدمات الرقمية والتمويل المهيكل إلى جانب وفرة الموارد الطبيعية
ويبدأ تحليل الوضع الاقتصادي من المؤشرات الكلية التي شهدت تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة ويذكر البنك الدولي أن الأساسيات الاقتصادية تعززت رغم تباطؤ النمو إلى 5,2% في عام 2024 مستفيدة من سياسة نقدية متحفظة وتحسن الإدارة المالية وبيئة دولية أكثر ملاءمة لأسعار الطاقة والمواد الأولية كما يُتوقع أن يبلغ متوسط النمو نحو 4,9% خلال الفترة ما بين 2025 و2027 إذا ما استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتسارع مسار التنويع
وفي السياق نفسه يلاحظ صندوق النقد الدولي أن النشاط الاقتصادي تباطأ إلى 4,2% في عام 2025 بعد الأداء القوي المسجل في 2024 ويرجع ذلك أساساً إلى تراجع أداء القطاع الاستخراجي في حين أظهرت الأنشطة غير الاستخراجية قدرة أكبر على الصمود كما يؤكد الصندوق استمرار المرونة الاقتصادية الكلية وتراجع عجز الحساب الجاري والحفاظ على مستويات مريحة من الاحتياطيات الدولية
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية يلفت التقرير إلى أن الاقتصاد الموريتاني لا يزال يعاني من درجة عالية من التركز القطاعي إذ تمثل الصناعات الاستخراجية نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يعكس في الوقت نفسه قوة العائدات المتأتية من التعدين والطاقة وحساسية الاقتصاد تجاه تقلبات الأسواق أو تأخر تنفيذ المشاريع الكبرى وقد بلغت الإيرادات العامة نحو 96 مليار أوقية بما يعادل 22,5% من الناتج المحلي الإجمالي فيما وصل الاستثمار العام إلى 8,8% من الناتج بينما استقر الدين العام عند حدود 42% من الناتج المحلي الإجمالي مع احتياطيات نقد أجنبي تكفي لتغطية 6,4 أشهر من الواردات
وفي هذا الإطار نقل التقرير عن صندوق النقد الدولي في يناير 2026 تأكيده أن الإدارة المالية الحذرة التي تعتمدها السلطات والمدعومة بإطار مالي واضح تساعد على حماية الإنفاق العام من تقلبات أسعار السلع الأساسية وتساهم في الحفاظ على استقرار مستويات الدين
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الرئيسي الذي تواجهه موريتانيا في المرحلة الحالية لا يتعلق بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي بقدر ما يرتبط بإنجاز التحول البنيوي المطلوب والانتقال إلى نموذج إنتاجي أكثر تنوعاً واستدامة
ويستند الاقتصاد الموريتاني إلى مجموعة من القطاعات الرئيسية التي تشكل أعمدته الأساسية حيث يظل التعدين مكوناً محورياً للصادرات والناتج المحلي الإجمالي مع استمرار الإصلاحات وارتفاع الطلب على الخدمات اللوجستية والصناعية المرتبطة به كما يبرز قطاعا الغاز والطاقة كمحركين رئيسيين للنمو مدفوعين بالطلب المتزايد على خدمات الهندسة والصيانة والبنية التحتية ويحافظ قطاع الصيد على مكانته الاستراتيجية رغم محدودية التصنيع المحلي بينما توفر الزراعة وتربية المواشي إمكانات كبيرة للتنويع الاقتصادي وتقليص الواردات وفي الوقت نفسه تتزايد أهمية الخدمات الرقمية باعتبارها أداة لتحسين الإنتاجية في مختلف القطاعات
ويؤكد التقرير أن موريتانيا لا تتخلى عن قطاعاتها التقليدية بل تعمل على تحويلها إلى منظومات أكثر تكاملاً تعتمد على التكنولوجيا والخدمات وتستهدف خلق قيمة مضافة أكبر
ويُعد قطاع الغاز أبرز التحولات الاقتصادية الجارية في البلاد إذ أصبح قطاعاً تشغيلياً يخلق فرصاً مباشرة في مجالات الصيانة والمعدات البحرية والأتمتة واللوجستيك البحري وإدارة النفايات الصناعية وأنظمة السلامة وقد وصلت المرحلة الأولى من مشروع غراند تورتو أحميم إلى نسبة إنجاز بلغت 98% ما يمثل دخول موريتانيا مرحلة جديدة في مجال الطاقة
وعلى المدى القريب يسهم الغاز في تحفيز الطلب على الخدمات المتخصصة والبنية التحتية والحلول الصناعية بينما يشكل على المدى المتوسط رافعة لتعزيز التنافسية الاقتصادية عبر دعم الكهربة وتطوير البنية التحتية وزيادة الجاذبية الصناعية للبلاد
ومع ذلك يشير التقرير إلى أن قطاع الغاز يمثل أيضاً اختباراً مهماً للحوكمة موضحاً أن القضية الأساسية لا تكمن في قدرة القطاع على تحقيق الإيرادات بل في كيفية توظيف هذه العائدات لبناء قاعدة إنتاجية مستدامة على المدى الطويل
وفي قطاع التعدين الذي لا يزال يشكل حجر الزاوية للاقتصاد الوطني تبرز موريتانيا كواحدة من كبار المنتجين الأفارقة للحديد والذهب والنحاس ومعادن أخرى مع وجود أكثر من 900 موقع معدني تم تحديده في مختلف أنحاء البلاد
ويركز عام 2026 على تحديث البنية التحتية المرتبطة بالقطاع حيث تواصل الشركة الوطنية للصناعة والمناجم سنيم تطوير السكك الحديدية والموانئ بينما تساهم شركات كبرى مثل كينروس تازيازت في زيادة الطلب على المعدات الصناعية وحلول الطاقة وتقنيات إدارة المياه
ويشير التقرير إلى أن التعدين لم يعد نشاطاً يقتصر على استخراج المعادن بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بالخدمات اللوجستية والصناعية وإدارة الطاقة والتكامل التكنولوجي
أما قطاع الصيد فيظل أحد أبرز المزايا التنافسية للاقتصاد الموريتاني بفضل الساحل الممتد على 750 كيلومتراً والموارد البحرية الغنية غير أن القيمة المضافة المحلية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج
ويرى التقرير أن الفرص الكبرى في هذا القطاع تتمثل في تطوير الصناعات التحويلية وسلاسل التبريد والاعتماد على الشهادات وتحسين قدرات التصدير بما يدفع القطاع نحو مزيد من التصنيع والاستدامة
وفي ما يتعلق بالزراعة وتربية المواشي يعتبرهما التقرير عنصرين أساسيين لتقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز التنمية الجهوية فرغم توفر مساحات زراعية واسعة لا تزال موريتانيا تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها الغذائية
كما يتمتع قطاع الثروة الحيوانية بإمكانات كبيرة مع وجود أكثر من 30 مليون رأس من الماشية بينما تتركز فرص الاستثمار في تصنيع اللحوم ومنتجات الألبان والخدمات البيطرية والبنية اللوجستية المرتبطة بها
وفي هذا السياق تتجه الاستثمارات العمومية بشكل متزايد نحو دعم التنمية الريفية ومشاريع الري وتنظيم سلاسل القيمة الزراعية والحيوانية
ويولي التقرير أهمية خاصة للبنية التحتية باعتبارها المحرك الأساسي للتحول الاقتصادي حيث يتم توجيه استثمارات كبيرة إلى قطاعات الطاقة والنقل والمياه والاتصالات الرقمية
وقد بلغت نسبة الولوج إلى الكهرباء نحو 57% مع تزايد مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج بينما تتوسع شبكات الطرق والاتصال الرقمي بما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لنمو الأنشطة الصناعية والخدمية
ويؤكد التقرير أن البنية التحتية لم تعد مجرد عنصر داعم للنشاط الاقتصادي بل أصبحت عاملاً حاسماً في تعزيز ربحية القطاع الخاص وتحسين تنافسية الاقتصاد
كما تواصل موريتانيا تعزيز موقعها في مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر حيث تساهم مشاريع مثل نور وأمان في خلق طلب متزايد على البنية التحتية وتحلية المياه والخدمات الهندسية
ويشير التقرير إلى أن هذه المشاريع بدأت بالفعل في إعادة تشكيل المشهد الاستثماري الوطني حتى قبل دخولها مرحلة الإنتاج الصناعي الكامل
وفي الوقت نفسه تمضي البلاد في تحديث نظامها المالي وبنيتها الرقمية حيث أصبحت المدفوعات عبر الهاتف المحمول والأمن السيبراني والإدارة الرقمية أدوات أساسية لتحسين الكفاءة الاقتصادية
كما تسهم الإصلاحات المؤسسية بما في ذلك اعتماد قانون استثمار جديد وتحسين مناخ الأعمال في تعزيز جاذبية السوق الموريتانية أمام المستثمرين
ويؤكد التقرير أن موريتانيا أصبحت سوقاً أكثر جذباً للاستثمار لكنها في الوقت ذاته أكثر انتقائية حيث تبرز الفرص في مجالات الطاقة والبنية التحتية والزراعة واللوجستيك والخدمات الرقمية مع ضرورة التموضع داخل سلاسل القيمة بدلاً من الاكتفاء بالأنشطة الاستخراجية التقليدية
وتشمل أبرز الفرص الاستثمارية المطروحة حالياً قطاعات الغاز والطاقة بما في ذلك الصيانة والخدمات التقنية واللوجستية إضافة إلى مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالطرق والموانئ والطاقة والمياه والشراكات بين القطاعين العام والخاص
كما تمتد الفرص إلى قطاع التعدين من خلال الخدمات اللوجستية والمناولة والمعدات الصناعية وإلى قطاع الصيد عبر التصنيع وسلاسل التبريد والتصدير فضلاً عن الزراعة والصناعات الغذائية وتربية المواشي والخدمات البيطرية إلى جانب الخدمات الرقمية والمالية المرتبطة بالمدفوعات والرقمنة والأمن السيبراني
ويخلص التقرير إلى أن القيمة الاقتصادية في موريتانيا لم تعد تتركز حصراً في استخراج الموارد الطبيعية بل أصبحت تتجه بصورة متزايدة نحو الخدمات والبنية التحتية والأنشطة الوسيطة ضمن سلاسل القيمة
وفي المحصلة تقدم موريتانيا خلال عام 2026 صورة مختلفة وأكثر جاذبية من اقتصاد يعتمد على الموارد الخام فقط فبينما لا تزال الثروات الطبيعية تشكل أساس النشاط الاقتصادي تتجه البلاد نحو بناء اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعاً يقوم على التحويل والتصنيع والخدمات والتكامل الاقتصادي وبالنسبة للمستثمرين والشركات فإن الفرصة لم تعد تقتصر على الموارد نفسها بل أصبحت تمتد إلى البنية التحتية والخدمات والأنشطة التي تضيف قيمة لهذه الموارد ما يجعل موريتانيا تتحول تدريجياً إلى منصة إقليمية للتحول الاقتصادي والإنتاجي.
.jpg)












