مالي تحت النار من جديد.. هجمات منسقة تضرب خمس مدن

ثلاثاء, 07/07/2026 - 14:16

عاشت مالي، صباح يوم السبت 4 يوليو 2026، أحد أعنف فصول التصعيد الأمني منذ هجمات 25 و26 أبريل الماضي التي أودت بحياة وزير الدفاع المالي وأدت إلى سقوط مدينة كيدال الاستراتيجية بيد المتمردين، ووفقا لتغطيات وكالة رويترز، ووكالة فرانس برس، والجزيرة نت، ومجلة جون أفريك، شنّ تحالف يضم “جبهة تحرير أزواد” الانفصالية ذات الغالبية الطارقية و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية في شمال البلاد ووسطها وجنوبها في آن واحد، في تكرار لنمط الهجوم المشترك الذي استخدمته الجماعتان في أبريل الماضي.

بداية الهجوم وتوقيته:

بدأت الهجمات في الساعات الأولى من فجر السبت، حوالي الساعة الرابعة صباحا، وفق ما ذكرته وكالة فرانس برس، وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية في بيان صباحي أن “محاولات هجوم” استهدفت مواقع عسكرية في خمس مناطق متزامنة: أغيلهوك وأنيفيس وغاو في الشمال، وسيفاري في الوسط، وكينيروبا في الجنوب، مؤكدة أنها “تتابع الوضع عن كثب”.

المسرح الشمالي: أنيفيس أبرز نقاط الاشتباك

وصفت مصادر جون أفريك مدينة أنيفيس بأنها كانت مركز الهجوم الرئيسي، وتظهر مقاطع فيديو نشرتها الجماعات المسلحة عبر منصات التواصل الاجتماعي قوافل من سيارات “بيك أب” محملة بمقاتلين وهي تدخل المدينة، وأكد الناطق باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، لوكالتي رويترز وفرانس برس أن مقاتلي جبهته دخلوا المدينة وأن عدة مواقع سقطت، مع استمرار القتال داخل المدينة، وذكر أحد سكان المدينة أن الجماعات المسلحة موجودة فيها لكن الجيش لا يزال يقاوم ولم يسقط المعسكر بعد.

وبحلول نهاية اليوم، أفاد مسؤول محلي منتخب لوكالة فرانس برس بأن المتمردين باتوا يسيطرون على المدينة، في حين تحصّن الجنود الروس التابعون لمجموعة “أفريكا كوربس” داخل المعسكر، وأن جبهة تحرير أزواد أسرت عددًا كبيرًا من الجنود الماليين، وتُعد أنيفيس وأغيلهوك آخر موقعين احتفظ فيهما الجيش المالي بوجود له في منطقة كيدال بعد الهجمات الكبرى في أبريل الماضي التي أدت إلى سقوط مدينة كيدال نفسها.

غاو: قتال حول المطار وشلل في المدينة:

في مدينة غاو، أكبر مدن شمال مالي، أفاد سكان لوكالة فرانس برس بسماع دوي إطلاق نار وانفجارات قوية قرب معسكر للجيش منذ ما قبل الفجر، وقال أحد السكان إن حدة القتال، الذي تركز حول محيط المطار، كانت أعلى من هجمات أبريل، مع تحليق طائرات عسكرية فوق المدينة وإلغاء الرحلات المدنية، ونقلت تقارير عن سكان قولهم إن القوات المسلحة المالية أغلقت الشوارع بالكامل ومنعت التنقل، وبحسب مصدر محلي تحدث لمجلة جون أفريك، فإن المهاجمين لم يتمكنوا من دخول المدينة نفسها وتم اعتراضهم عند المدخل على طريق قادم من سيفاري.

سيفاري: انفجارات متتالية وسط البلاد:

في المدينة الوسطى سيفاري، التي تضم قاعدة عسكرية كبرى ومطارًا، ذكر مصدر أمني لوكالة فرانس برس أن انفجارات دوت في المدينة قرابة الساعة الخامسة صباحًا، تلاها تحليق عدة طائرات عسكرية، وأفاد أحد السكان لوكالة رويترز بأن إطلاق نار في الصباح الباكر أعقبته أربعة انفجارات كبيرة غرب المدينة نحو الساعة الثامنة صباحًا، تلتها دفعة أعنف من الانفجارات نحو العاشرة صباحًا، وبحلول منتصف النهار، أعلنت هيئة الأركان أن الوضع في سيفاري بات هادئًا، مع استمرار سماع أصوات غارات جوية من بعيد.

سجن كينيروبا: استهداف مباشر لمنشأة احتجاز كبرى:

في جنوب البلاد، وعلى بعد نحو 50 إلى 70 كيلومترًا جنوب العاصمة باماكو باتجاه الحدود مع غينيا، تعرض مجمع سجن كينيروبا، الذي يضم نحو 2500 نزيل من بينهم متشددون موقوفون في قضايا إرهاب، لهجوم مسلح، وروى أحد النزلاء لوكالة فرانس برس أن السجناء اختبأوا تحت أسرّتهم بينما استمر إطلاق النار، قبل أن تنقطع الاتصالات من داخل السجن، وأفاد مصدر دبلوماسي ومصدر أمني لوكالة رويترز بأن قوات الأمن تمكنت من صد المهاجمين، دون تسجيل قتلى رغم إشعال حرائق في مركبات وممتلكات داخل المجمع، وذلك حسب ضابط في السجن أشار إلى أن عدد المهاجمين فاق عدد الحراس بنسبة خمسة إلى واحد، ولم تتضح على الفور هوية منفذي هذا الهجوم تحديدًا ولا دوافعه الدقيقة، غير أن مصدر في جبهة تحرير أزواد كشف لصحيفة تقدمي، في اتصال هاتفي، أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كانت وراء الهجوم.

حصيلة الجيش المالي ومزاعم “السيطرة الكاملة”:

في بيان صدر عند منتصف النهار، أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية أن الوضع بات “تحت السيطرة الكاملة”، وأن الهجمات “تم صدها بقوة”، مع استمرار عمليات تمشيط جوي وبري بمساعدة “الشركاء” في إشارة إلى قوات “أفريكا كوربس” الروسية، وذكر البيان أن 20 “إرهابيًا” قتلوا في سيفاري، وستة في غاو، مقابل مقتل مقاتل واحد موالٍ للحكومة وإصابة أربعة آخرين في غاو، وفي بيان لاحق، أعلن الجيش أنه صد أيضًا هجمات في بلدتي كونا، وسومادوغو الواقعتين في الوسط، دون تقديم حصيلة قتلى لهذه الاشتباكات.

غير أن مصدرًا محليًا منتخبًا في أنيفيس نفى لوكالة فرانس برس رواية “السيطرة الكاملة”، مؤكدًا أن المتمردين باتوا يسيطرون فعليًا على المدينة، ولم يتسنَّ لوكالتي رويترز وفرانس برس التحقق بشكل مستقل من أي من الروايتين المتعارضتين.

مزاعم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”

في بيان لاحق نُشر مساء السبت، أعلنت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تبنيها للهجمات، مدعية أنها تمكنت من الاستيلاء على مواقع معينة، وكانت الجماعة، إلى جانب جبهة تحرير أزواد، قد نفذت عملية مشتركة كبرى في أبريل الماضي استهدفت مطار باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

سياق أوسع: استمرار تصاعد التمرد منذ أبريل

تأتي أحداث السبت بعد أكثر من شهرين على هجمات 25 أبريل التي شكلت، بحسب مراقبين، أكبر تحدٍ يواجه المجلس العسكري الحاكم في مالي منذ توليه السلطة عقب انقلابي 2020 و2021، ففي تلك الهجمات، اقتحم مسلحون من “جي.إن.آي.إم” منزل وزير الدفاع ساديو كامارا بسيارة مفخخة فقتلوه مع أفراد من عائلته، بينما سيطرت جبهة تحرير أزواد على مدينة كيدال ومناطق في محيط غاو، ومنذ ذلك الحين، انسحبت القوات المالية وقوات “أفريكا كوربس” الروسية من عدة مواقع في مناطق كيدال وغاو وتمبكتو، في تفاهمات وُصفت من الجانب الحكومي بأنها لتجنب المزيد من الخسائر، ومن جانب المتمردين بأنها انتصارات ميدانية.

ونقلت وكالة فرانس برس باكاري سامبي، مدير معهد تمبكتو للدراسات في داكار تقييمه بأن هذه العمليات المتلاحقة تُعد خطوات وسيطة تمهد لعملية أكبر لاحقًا تهدف إلى إضعاف المجلس العسكري وعزله، كما رأى باحث في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب أن هدف المتمردين الحالي يبدو “تأمين الشمال” قبل التوجه جنوبًا.

ردود الفعل الدولية والإقليمية:

أدان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، الهجمات “بأشد العبارات”، معربًا عن تعازيه لأسر الضحايا وتضامنه مع الشعب والسلطات في مالي، وداعيًا إلى تعزيز الجهود الجماعية لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل، وشدد بيان المفوضية على أن التنظيمات الإرهابية والانفصالية ما زالت تمثل تهديدًا رئيسيًا لمالي ومنطقة الساحل بأكملها.

وفي وقت سابق من الأزمة الممتدة منذ أبريل، كانت الأمم المتحدة قد دعت إلى استجابة دولية لمواجهة أعمال العنف في الساحل، وسط تعبير الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ، بينما أعلنت الولايات المتحدة تضامنها مع الحكومة والشعب الماليين ودعمها المستمر لجهود إحلال الأمن والاستقرار في البلاد والمنطقة.

ما بعد السبت: تواصل القتال حول أنيفيس

بحسب متابعة لاحقة لمجلة جون أفريك نُشرت يوم الأحد 5 يوليو، فإن الهدوء عاد إلى معظم المناطق التي استُهدفت يوم السبت، باستثناء أنيفيس التي استمر القتال فيها طوال نهار الأحد من أجل السيطرة على المدينة الاستراتيجية، ونشرت مجموعة “أفريكا كوربس” الروسية على قناتها في “تلغرام” مقاطع فيديو زعمت أنها توثق هجومًا بطائرة مسيّرة على موقع للمتمردين في أنيفيس، وجنديًا روسيًا فوق أحد المباني في معسكر بأغيلهوك، دون أن يتسنَّ التحقق من صحة هذه المقاطع بشكل مستقل.

تُظهر أحداث السبت 4 يوليو 2026 أن التهدئة النسبية التي أعقبت هجمات أبريل لم تكن سوى استراحة مؤقتة في مسار تصعيدي متواصل، فبينما يصر الجيش المالي وحليفه الروسي على روايتهما بأن الهجمات “صُدّت” وأن الوضع “تحت السيطرة”، تشير شهادات ميدانية ومصادر محلية إلى أن جبهة تحرير أزواد تمكنت من ترسيخ سيطرتها على مدينة أنيفيس على الأقل، في حين لا تزال “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تحافظ على قدرتها على شن ضربات متزامنة في أنحاء متفرقة من البلاد، بما يعكس، وفق محللين، استراتيجية تستهدف تدريجيًا عزل السلطة المركزية في باماكو وإنهاك قدرتها على الصمود.