
في نتائج قد تفتح بابًا جديدًا أمام علاج أحد أنواع قصور القلب التي لا تزال خيارات التعامل معها محدودة، توصل باحثون إلى أن مركّبًا طبيعيًا ينتجه الجسم بعد تناول بعض الأطعمة يمكن أن يحسّن عددًا من مؤشرات وظائف القلب في النماذج التجريبية.
ويُعرف هذا المركّب باسم “اليوروليثين أ”، ويتكوّن في الجسم نتيجة عملية استقلاب بعض المركبات الموجودة في أطعمة مثل الرمان والجوز وبعض أنواع التوت.
وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون في كلية كينغز كوليدج لندن، أن المركّب ساعد على تحسين قدرة عضلة القلب على الارتخاء، إلى جانب تقليل التليف والحد من التضخم غير الصحي لخلايا القلب.
نوع معقد من قصور القلب
تركز الدراسة على قصور القلب مع حفظ كسر القذف، وهي حالة يستطيع فيها القلب ضخ الدم بصورة تبدو طبيعية، لكنه يصبح أكثر تيبسًا ويفقد قدرته على الارتخاء والامتلاء بالدم بشكل كافٍ بين الضربات.
ويشكل هذا النوع نحو نصف حالات قصور القلب، ويمكن أن يؤدي إلى أعراض مؤثرة في الحياة اليومية، من بينها ضيق التنفس والتعب وانخفاض القدرة على ممارسة الأنشطة البدنية، إلى جانب تراجع جودة الحياة.
وتشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى أن هذا النوع من قصور القلب يمثل تحديًا متزايدًا مع ارتفاع متوسط الأعمار وانتشار عوامل مثل السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم.
لماذا يصعب علاج هذه الحالة؟
تكمن صعوبة التعامل مع قصور القلب مع حفظ كسر القذف في تعدد العوامل المرتبطة به واختلاف خصائص المرض من شخص إلى آخر.
وفي هذه الحالة، يستمر القلب في ضخ الدم، لكن المشكلة تكمن في عدم ارتخائه وامتلائه بصورة كافية، الأمر الذي يجعل العديد من العلاجات التقليدية المستخدمة في أنواع أخرى من قصور القلب أقل فاعلية.
ولهذا يركز التعامل الطبي غالبًا على السيطرة على الأمراض والعوامل المصاحبة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بنمط الحياة، مثل خفض الوزن والحفاظ على مستويات سكر الدم ضمن النطاق الصحي.
ماذا يفعل اليوروليثين أ؟
لطالما جذب اليوروليثين أ اهتمام الباحثين بسبب علاقته بوظيفة الميتوكوندريا، وهي الأجزاء الموجودة داخل الخلايا والمسؤولة عن إنتاج الطاقة.
لكن الدراسة الجديدة كشفت عن آلية أخرى قد تكون مهمة لصحة القلب، إذ وجد الباحثون أن المركّب يستطيع تنشيط بروتين يعرف باسم PKGIα، والذي يؤدي دورًا في وظائف الأوعية الدموية وقدرة عضلة القلب على الارتخاء.
ويستهدف اليوروليثين أ جزءًا محددًا من هذا البروتين، ما يؤدي إلى تنشيط مسار يرتبط بتأثيرات مفيدة على القلب والأوعية الدموية.
تحسن في وظائف القلب وصل إلى 80%
خلال التجارب التي أُجريت على النماذج الحيوانية، أدى العلاج باليوروليثين أ إلى تحسن في بعض مؤشرات وظائف القلب وصلت نسبته إلى 80% مقارنة بالنماذج التي لم تحصل على المركّب.
كما أظهرت الاختبارات المخبرية تحسن قدرة أنسجة القلب على الارتخاء، بالتزامن مع انخفاض مستويات التليف، وهو تراكم للأنسجة الندبية يمكن أن يؤثر سلبًا في قدرة القلب على أداء وظيفته.
ولاحظ الباحثون أيضًا انخفاضًا في تضخم خلايا عضلة القلب مقارنة بالمجموعات الضابطة، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على وظائف العضلة.
هل يمكن أن يصبح الرمان علاجًا؟
رغم ارتباط اليوروليثين أ بأطعمة مثل الرمان، فإن نتائج الدراسة لا تعني أن تناول الرمان يمكن أن يعالج قصور القلب.
وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور جوزيف بورغوين، أن النتائج الحالية لا توفر أساسًا للتوصية بتناول الرمان بهدف علاج المرض، لكنها تفتح المجال أمام دراسة استراتيجيات غذائية أو علاجية يمكن أن تعزز إنتاج اليوروليثين أ في الجسم.
وهنا يبرز الفرق بين وجود مركّب مفيد في الطعام وبين إثبات أن تناول الطعام نفسه يوفر جرعة علاجية قادرة على علاج مرض محدد.
سجل سلامة مشجع.. لكن الأبحاث مستمرة
ومن النقاط التي لفتت اهتمام الباحثين أن اليوروليثين أ سبق أن خضع لدراسات على البشر، وأظهر سجلًا جيدًا من ناحية السلامة.
ومع ذلك، فإن ذلك لا يعني ثبوت فعاليته كعلاج لقصور القلب، إذ إن النتائج الجديدة ما تزال مستندة إلى نماذج حيوانية وأنسجة بشرية مُهندسة، وليس إلى تجارب سريرية واسعة على مرضى مصابين بهذه الحالة.
لماذا تحتاج النتائج إلى تجارب بشرية؟
يرى الباحثون أن النتائج تمثل خطوة أولية نحو اكتشاف هدف علاجي جديد، خصوصًا أن تحسين ارتخاء عضلة القلب وتقليل التليف والتغيرات المرتبطة بالمرض قد يكون ذا أهمية في التعامل مع قصور القلب مع حفظ كسر القذف.
لكن إثبات فاعلية المركّب لدى البشر يتطلب تجارب سريرية مصممة بعناية لتحديد الجرعة المناسبة، ومدى الفعالية، والفوائد المحتملة، إضافة إلى الآثار الجانبية طويلة المدى.
الغذاء الصحي يظل جزءًا أساسيًا من صحة القلب
ورغم الاهتمام بالنتائج الجديدة، يظل النظام الغذائي المتوازن أحد العوامل المهمة للحفاظ على صحة القلب.
وتشير التوصيات العامة إلى أهمية تناول مجموعة متنوعة من الفواكه والخضراوات ضمن نمط غذائي صحي، مع عدم التعامل مع أي طعام أو مكوّن طبيعي باعتباره علاجًا مستقلًا لأمراض القلب.
وبالتالي، فإن اليوروليثين أ يمثل حاليًا هدفًا بحثيًا واعدًا، وليس علاجًا مثبتًا لقصور القلب، فيما ستحدد الدراسات السريرية المستقبلية ما إذا كانت النتائج التي ظهرت في النماذج التجريبية يمكن ترجمتها إلى فائدة حقيقية للمرضى.
.jpg)













