موريتانيا: ضغوط على دبلوماسية الحياد بعد فيتو «الصحراء» في مجلس الأمن الدولي/ عبد الله مولود

اثنين, 11/02/2026 - 15:54

 

 لم يكن تأخر موريتانيا في إعلان موقف رسمي من التطورات المتسارعة في ملف الصحراء الغربية أمراً عابراً، بقدر ما يعكس حجم الانشغال في نواكشوط بتداعيات منعطف قد يعيد المواجهة العسكرية بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى منطقة تجاور حدودها الشمالية، ويضع أمنها ومصالحها الاقتصادية أمام احتمالات مفتوحة.
ففشل مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة «مينورسو»، عقب مواجهة روسية أمريكية غير مسبوقة، لا ينذر فقط بتراجع المظلة الأممية عن أحد أكثر نزاعات المنطقة تعقيداً، بل يثير مخاوف من عودة الحرب إلى جوار موريتانيا، بما قد تحمله من انعكاسات أمنية وتجارية وإقليمية.
ويعكس عدم استعجال نواكشوط في التعليق، في جانب آخر، ملامح النهج الدبلوماسي الذي طبع سياسة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، القائمة على تجنب ردود الفعل المتسرعة، وإخضاع التطورات الحساسة للتقدير المتأني قبل بلورة المواقف.
فموريتانيا، التي حافظت على توازن دقيق في علاقاتها مع الرباط والجزائر، تدرك أن أي موقف في هذه اللحظة قد تكون له تبعات تتجاوز حدود التضامن السياسي إلى حسابات الأمن والجوار والمصالح الاستراتيجية.
وبينما سارعت أطراف النزاع إلى إعلان مواقفها المتباينة من التطور، تجد نواكشوط نفسها أمام معادلة دقيقة: هامش سياسي قد يتسع بفعل تعثر المسعى الأمريكي، مقابل مخاطر أمنية واقتصادية متزايدة إذا تحول انتهاء ولاية البعثة إلى فراغ يفتح الباب أمام استئناف المواجهات المسلحة.
وبالنسبة لموريتانيا، لا تكمن أهمية هذا التطور في نتائج المواجهة الدبلوماسية وحدها، بل في ما يمكن أن يترتب عليه ميدانياً، خصوصاً أن البلاد ظلت حريصة على الابتعاد عن الاصطفاف في النزاع، رغم ارتباطها الجغرافي والتاريخي والسياسي به.
ويرى الصحافي الموريتاني محمد الأمين خطاري، في تحليل نشره موقع «أتالايار» الإسباني، أن الفيتو الروسي يحمل بالنسبة لنواكشوط مفارقة استراتيجية؛ فهو من جهة يعطل المسعى الأمريكي الرامي إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض، ومن جهة أخرى يهدد بغياب إحدى آخر آليات المراقبة الدولية في المنطقة.
ويعتبر خطاري أن إسقاط المشروع الأمريكي يمنح موريتانيا هامشاً سياسياً إضافياً لمواصلة سياسة التوازن بين الرباط والجزائر، ويجنبها الاضطرار إلى التكيف مع إطار دولي جديد أكثر تقييداً لخياراتها الدبلوماسية. كما يتيح لها الاحتفاظ بمساحة للدفاع عن مصالحها الحدودية والاقتصادية في أي تسوية مستقبلية.
لكن هذا المكسب المحتمل تقابله مخاطر مباشرة، تتمثل في احتمال تزايد الغموض العسكري على الحدود الشمالية، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الميدانية منذ انهيار وقف إطلاق النار عام 2020.
ويحذر خطاري من أن غياب بعثة «مينورسو» قد يؤثر على استقرار منطقة الكركرات، التي تشكل ممراً تجارياً حيوياً يربط موريتانيا بالمغرب والأسواق الإفريقية، ويجعل أي توتر عسكري فيها ذا انعكاسات مباشرة على المبادلات التجارية والإمدادات والأسواق الموريتانية.
وتكتسب هذه المخاوف أهميتها من التجربة التي شهدتها المنطقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حين أدى التوتر العسكري في الكركرات إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما تدخلت القوات المغربية لإعادة فتح الطريق التجاري، وأعلنت البوليساريو إثر ذلك التحلل من الاتفاق.
وأي تكرار لسيناريو مماثل قد لا يظل محصوراً في نطاق النزاع، بل يمكن أن ينعكس على حركة السلع والإمدادات والأسعار في موريتانيا، خصوصاً أن الكركرات تمثل ممراً رئيسياً للمبادلات البرية بين المغرب وموريتانيا وعدد من دول غرب إفريقيا.
ولا يحصر خطاري التداعيات في الجانب الأمني والتجاري، بل يلفت إلى ضرورة أن تراعي أي تسوية نهائية للنزاع مسألة ترسيم الحدود الدولية، وأمن مدينة نواذيبو، والمصالح الاقتصادية الموريتانية على الواجهة الأطلسية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى موقع نواذيبو الاقتصادي والمينائي، وإلى حساسية منطقة الكويرة المحاذية لها، والخاضعة للإدارة الموريتانية منذ انسحاب نواكشوط من النزاع عام 1979؛ فكل تغيير في الوضع النهائي للإقليم ينبغي، وفق هذه المقاربة، أن يأخذ في الحسبان الحدود والمصالح الموريتانية، وألا يترك مجالاً لنشوء مناطق غموض قانوني أو أمني.
من جانب آخر، ذهب الخبير الاستشاري الدولي محمد السالك ولد إبراهيم، في تحليل له، إلى أن الدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا، قد تكون الأكثر تأثراً بحالة الانكشاف الأمني والسياسي التي خلّفها الفيتو المزدوج وانتهاء ولاية البعثة الأممية.
ويضع ولد إبراهيم سياسة «الحياد الإيجابي» التي تتبناها نواكشوط أمام اختبار صعب، معتبراً أن التوازن الذي حافظت عليه موريتانيا في علاقاتها مع الرباط والجزائر قد يصبح أكثر كلفة في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي والإقليمي.
ويحدد الخبير خطرين أساسيين يواجهان البلاد؛ أولهما أمني، يتمثل في احتمال تحول المناوشات العسكرية المحدودة إلى مواجهة أوسع قرب الحدود الشمالية، ولا سيما في الكركرات والمناطق العازلة، بما يهدد الأمن القومي وخطوط التجارة الحيوية.
أما الخطر الثاني فيتعلق، حسب الخبير، بالضغوط الدبلوماسية، إذ يرى أن الاستقطاب بين المحور الغربي – المغربي والمحور الروسي- الجزائري قد يضع نواكشوط أمام مطالب متزايدة بالتخلي عن منطقة التوازن والانحياز إلى أحد الطرفين، وهو ما قد تترتب عليه كلفة استراتيجية في علاقاتها الإقليمية.
وتزداد هذه المخاطر تعقيداً بالنظر إلى أن موريتانيا تواجه أصلاً تداعيات الاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل، وما تفرضه الأوضاع في مالي من
تحديات أمنية وإنسانية وهجرة. وهو ما يجعل احتمال فتح جبهة توتر إضافية على حدودها الشمالية تحدياً مضاعفاً لمؤسساتها الأمنية والدبلوماسية.

الحياد الموريتاني.. ضرورة أم فرصة؟

ورغم المخاطر التي يطرحها التحليلان، فإن التطورات قد تتيح لموريتانيا فرصة لتعزيز دورها الدبلوماسي، بالنظر إلى احتفاظها بقنوات اتصال وعلاقات مع مختلف الأطراف، وإلى موقعها الجغرافي الذي يجعل استقرارها مصلحة إقليمية مشتركة.
فالفيتو الروسي، وفق قراءة خطاري، أبقى المجال مفتوحاً أمام صيغ تفاوضية متعددة، ولم يحسم مسألة السيادة أو يغير واقع السيطرة الميدانية؛ وهذا يعني أن نواكشوط لا تزال تملك هامشاً لمواصلة موقفها الداعي إلى تسوية توافقية، دون الاضطرار إلى تبني مقاربة أحد الطرفين.
غير أن ولد إبراهيم ينبه إلى أن استمرار الاستقطاب قد يجعل المحافظة على هذا الموقف أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تحولت الخلافات الدبلوماسية إلى اصطفافات أمنية وعسكرية في المنطقة.
وتتجاوز المعضلة، بالتالي، مجرد المحافظة على علاقات متوازنة مع الرباط والجزائر، لتشمل قدرة موريتانيا على حماية مصالحها في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالإقليم، وضمان ألا تتحول حدودها إلى امتداد لمواجهة إقليمية لا تملك قرارها.

كما أن الروابط القبلية والاجتماعية بين سكان الإقليم ومجتمعات موريتانية تجعل أي تصعيد محتمل شأناً يتجاوز الحسابات الخارجية، إذ يمكن أن تكون له انعكاسات اجتماعية وإنسانية داخل البلاد، فضلاً عن تداعياته على حركة التجارة والتنقل.

ويلتقي المحللان خطاري وولد إبراهيم عند خلاصة مفادها أن موريتانيا ليست بمنأى عن تداعيات أي تحول في مسار نزاع الصحراء الغربية، وأن ما يجري في مجلس الأمن قد تكون انعكاساته على نواكشوط مباشرة بشكل أكبر مما توحي به المسافة الدبلوماسية بينها وبين أطراف المواجهة.
فبينما يرى خطاري في تعثر المشروع الأمريكي فرصة للإبقاء على هامش المناورة السياسية، يحذر من أن غياب المراقبة الأممية قد يضعف الضمانات الأمنية اللازمة لاستمرار التفاوض؛ أما ولد إبراهيم فيركز على مخاطر انكشاف الجوار، واحتمال تعرض موريتانيا لضغوط تدفعها إلى إعادة النظر في توازناتها الإقليمية.

نواكشوط – «القدس العربي»