
لم تعد السيارات الحديثة مجرد وسيلة للتنقل من مكان إلى آخر، بل تحولت إلى أجهزة رقمية متطورة تتصل بالإنترنت وتجمع كماً كبيراً من المعلومات عن السائق ورحلاته اليومية. فبفضل أنظمة الملاحة والتطبيقات الذكية والمساعدات الصوتية، باتت المركبات قادرة على تتبع المواقع الجغرافية، وتسجيل أنماط القيادة، ورصد تفاصيل مختلفة عن استخدام السائق للسيارة.
ومع تزايد الاعتماد على هذه التقنيات، يبرز سؤال مهم حول مصير البيانات التي تجمعها المركبات: أين تُخزن؟ ومن يمكنه الاطلاع عليها؟ وهل يمتلك السائق القدرة على التحكم في استخدامها ومشاركتها مع أطراف أخرى؟
ما المعلومات التي تجمعها السيارات الحديثة؟
تتنوع البيانات التي يمكن للسيارات المتصلة بالإنترنت جمعها، وتشمل معلومات الموقع الجغرافي ومسارات الرحلات والوجهات التي يتردد عليها السائق بصورة منتظمة، إلى جانب تفاصيل تتعلق بسلوكه أثناء القيادة، مثل السرعة والتسارع والفرملة المفاجئة والقيادة خلال ساعات الليل.
ولا تتوقف عملية الجمع عند هذا الحد، إذ يمكن لبعض المركبات تسجيل معلومات عن حالتها الفنية واستهلاك الوقود والأعطال وضغط الإطارات، فضلاً عن بيانات الاتصالات واستخدام أنظمة الترفيه والمساعدات الصوتية. وفي بعض الطرازات، قد تشمل المعلومات ما تلتقطه الكاميرات وأجهزة الاستشعار المثبتة داخل السيارة أو خارجها.
كما أن البيانات لا تأتي بالضرورة من المركبة وحدها، فقد تسهم التطبيقات الهاتفية المرتبطة بها في جمع معلومات إضافية عن المستخدم، وهو ما كشفته دراسة أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن الأميركية بالتعاون مع مجلة «كونسيومر ريبورتس» (Consumer Reports)، ونُشرت في سبتمبر/أيلول الماضي.
واختبرت الدراسة 21 سيارة تابعة لـ19 علامة تجارية، ورصدت انتقال بيانات شخصية، من بينها أرقام تعريف المركبات وعناوين البريد الإلكتروني والمواقع الجغرافية، إلى شركات خارجية تعمل في مجالات التكنولوجيا والإعلانات وتحليل البيانات.
أين تذهب بيانات السيارة؟ ومن يستطيع الاطلاع عليها؟
تنتقل المعلومات التي تنتجها المركبة بين وحداتها الإلكترونية وأنظمة الاتصالات والتطبيقات المرتبطة بها، وقد تُرسل عبر شبكات الهاتف المحمول والإنترنت إلى خوادم الشركات المصنعة ومزودي الخدمات السحابية.
وتختلف طريقة تخزين هذه المعلومات والمدة التي تحتفظ بها الجهات المعنية بها، بحسب الشركة المصنعة وطراز السيارة والخدمات التي يختار السائق تفعيلها. فبعض البيانات يبقى داخل المركبة، بينما تُنقل معلومات أخرى إلى أنظمة خارجية لتشغيل خدمات الملاحة والتشخيص عن بُعد والاستجابة لحالات الطوارئ.
وقد تشمل الجهات التي تتعامل مع هذه البيانات شركات تصنيع السيارات، ومزودي أنظمة التشغيل والخرائط والاتصالات، إلى جانب شركات التأمين ووسطاء البيانات وشركات التحليل والإعلانات، وفقاً لطبيعة الخدمات المقدمة والموافقات التي يمنحها المستخدم.
وتشير تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى استخدام بيانات المواقع الجغرافية للسيارات في مجالات متعددة، منها الملاحة والاستجابة للطوارئ وإدارة أساطيل المركبات والتأمين المرتبط بأسلوب القيادة. وقد تصل هذه المعلومات إلى شركات التأمين والوسطاء وجهات إنفاذ القانون، وفقاً للقوانين والإجراءات المعمول بها.
كيف تتحول بيانات القيادة إلى مصدر للربح؟
أصبحت المعلومات التي تجمعها السيارات المتصلة بالإنترنت ذات قيمة تجارية متزايدة، إذ يمكن للشركات الاستفادة منها في دراسة سلوك المستهلكين، وتطوير الخدمات، وتخصيص الإعلانات، فضلاً عن تقييم المخاطر المرتبطة بالتأمين على المركبات.
لكن المخاوف تتزايد عندما تُستخدم البيانات لأغراض تختلف عن الهدف الذي جُمعت من أجله، خصوصاً إذا لم يكن السائق على دراية بمشاركة معلوماته أو لم يمنح موافقة واضحة على ذلك.
وتُعد قضية شركة «جنرال موتورز» الأميركية مثالاً بارزاً على هذه المخاطر. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت لجنة التجارة الفدرالية الأميركية اتخاذ إجراءات بحق الشركة وخدمة «أون ستار» (OnStar)، بسبب جمع بيانات دقيقة عن المواقع الجغرافية وسلوك القيادة ومشاركتها مع جهات خارجية، من بينها وكالات إعداد التقارير الائتمانية.
وشملت المعلومات التي جرى جمعها تفاصيل مثل السرعة والفرملة المفاجئة والقيادة ليلاً، واستخدمت في إعداد تقارير يمكن أن تستفيد منها شركات التأمين عند تحديد الأسعار أو تقييم العملاء.
وبموجب التسوية، فُرضت قيود على مشاركة بيانات المواقع الجغرافية وسلوك القيادة، كما أُلزمت الشركة بتوفير وسائل تتيح للمستخدمين طلب بياناتهم وحذفها والتحكم في جمع معلومات مواقعهم.
وتوضح هذه القضية كيف يمكن لتفاصيل تبدو عادية، مثل سرعة السيارة أو توقيت الرحلات، أن تتحول إلى معلومات ذات تأثير مباشر في القرارات المالية المتعلقة بالسائق.
هل يملك السائق بيانات سيارته قانونياً؟
لا توجد قاعدة قانونية موحدة تحدد ملكية جميع المعلومات التي تنتجها السيارات، إذ تختلف التشريعات من دولة إلى أخرى، كما تتباين الأحكام بحسب طبيعة البيانات والجهة التي تجمعها وتستخدمها.
وبالتالي، فإن امتلاك الشخص للسيارة لا يعني بالضرورة أنه يمتلك جميع البيانات التي تنتجها أنظمتها، أو أنه يستطيع التحكم الكامل في طريقة تخزينها ومعالجتها ومشاركتها.
وفي الاتحاد الأوروبي، دخل قانون البيانات الأوروبي (Data Act) حيز التطبيق في 12 سبتمبر/أيلول 2025، متضمناً قواعد تنظم الوصول إلى البيانات الناتجة عن المنتجات المتصلة بالإنترنت، بما فيها السيارات. ويمنح القانون المستخدمين إمكانية الحصول على البيانات المتاحة ومشاركتها مع أطراف أخرى وفق شروط محددة، الأمر الذي يتيح لمقدمي خدمات الصيانة والتأمين المستقلين الوصول إلى المعلومات اللازمة لأعمالهم.
ويتكامل هذا الإطار مع اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي توفر ضمانات للتعامل مع المعلومات الشخصية، بما يشمل حق الأفراد في الوصول إلى بياناتهم وطلب حذفها في الحالات التي يسمح بها القانون.
أما في الولايات المتحدة، فتخضع ممارسات جمع بيانات السيارات واستخدامها لمجموعة من القوانين الفدرالية وتشريعات الولايات والإجراءات التنظيمية، من دون وجود قانون فدرالي شامل ينظم جميع جوانب خصوصية بيانات المستهلكين.
خطوات لحماية خصوصيتك عند استخدام السيارة
رغم صعوبة منع السيارات الحديثة من جمع جميع أنواع البيانات، يستطيع السائق اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتقليل المعلومات التي تُجمع عنه أو تُشارك مع جهات خارجية.
ومن أبرز هذه الخطوات مراجعة سياسة الخصوصية وإعدادات السيارة والتطبيق المرتبط بها قبل تفعيل الخدمات المتصلة، والتحقق من خيارات مشاركة بيانات الموقع والقيادة لأغراض التسويق والتحليل، وتعطيل ما لا يحتاج إليه المستخدم منها.
كذلك، ينبغي مراجعة الأذونات التي يمنحها السائق لتطبيق السيارة على هاتفه، خصوصاً تلك المتعلقة بالموقع الجغرافي وجهات الاتصال والميكروفون، إلى جانب الاطلاع على شروط برامج التأمين التي تعتمد على مراقبة سلوك القيادة، ومعرفة نوع البيانات التي تجمعها والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
ومن المفيد أيضاً الاستفسار من الشركة المصنعة عن إمكانية الحصول على نسخة من البيانات المخزنة، وطلب حذفها أو إيقاف جمعها وفق الخيارات المتاحة. وقبل بيع السيارة أو نقل ملكيتها، يُنصح بإلغاء ربط الهاتف بالتطبيقات المرتبطة بها، وحذف الحسابات والبيانات الشخصية المحفوظة داخل أنظمتها.
السيارات الذكية تطرح تحدياً جديداً للخصوصية
مع توسع استخدام تقنيات الاتصال والذكاء داخل المركبات، لم تعد خصوصية الأفراد مرتبطة فقط بما يشاركونه عبر الهواتف والحواسيب، بل أصبحت تشمل أيضاً تفاصيل تنقلاتهم وعاداتهم اليومية خلف المقود.
وبينما توفر السيارات المتصلة مزايا مهمة تتعلق بالراحة والسلامة وسهولة التنقل، تظل الحاجة قائمة إلى مزيد من الشفافية بشأن المعلومات التي تجمعها، والجهات التي تتلقاها، والأغراض التي تُستخدم من أجلها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إيقاف التطور التقني، بل في ضمان ألا تأتي مزايا الاتصال على حساب خصوصية السائق وحقه في معرفة مصير بياناته والتحكم فيها.
.jpg)













