
لم يطرح السؤال في بعديه نظرا لزحمة الأهتمام بظاهرة الهجرة، لا في أسبابها الداخلية، والخارجية، وتبعاتها على الأفراد، والمجتمع، والنظام السياسي ، والسبب في غياب هذا الطرح لحد الآن يرجع أن أولوية البحث في مسببات الظواهر الاجتماعية عند الباحثين، تتوخى تحديد الظاهرة، و مآلاتها، وما تتوقف عليه الأوضاع من جهة.
بينما يغلب البعض الكتابة في شقها الثاني المتعلق بالجانب التوعوي، وذلك لفهم قيمة التفاعل الإيجابي في امتصاص الغضب، والخوف اللذين سادا إبان موجات المهاجرين، وشكل رد الفعل الرسمي، ومواقف الرأي الوطني العام تجاه المهاجرين، والتحسيس الموضوعي، للتخفيف من غضب الجماهير العربية حتى النائمة منها، لأنها إذا استيقظ يوما ما، فلن تتوقف عند حدودها الدنيا، وهذا ما غاب عن سدنة الغرب في قارتنا السمراء،، ولعل حملة التوعية، جنبت بلادنا ما حصل في تونس من مظاهرات عمت أنحاء المدن التونسية للتنديد بالهجرة الخارجية من الأقطار الافريقية، وبالمتسببن بها بعد اتفاقية الحكومة التونسية مع الإيطالية بخصوصها..!
ومع ضبط الحدود الموريتانية مع السنغال، ومالي، ظهر المشترك بين السلطات الوطنية، والرأي الوطني العام في المجتمع الموريتاني، وذلك من أجل الحد من تسلل المهاجرين، ولضبط الهجرة، وربطها بعقود العمل، والإقامة الشرعية..وهذا أخف الحلول، وأكثرها كياسة، وهذا الذي حصل حكوميا…
وكان للهواجس السابقة مبرراتها، لذلك لا ينبغي تحميل الدعاية، والنشطاء، والمدونين المسئولية عن تجييش رأي الوطني العام،، ذلك، أن الاستيلاء على أحياء سكنية جديدة في الجزائر، كان عمالها أفارقة، قاموا بالسيطرة عليها، الأمر الذي أضطر كلا من الجيش، والدرك الوطني للتدخل ، كذلك كان للأشرطة الخارجية دورها في الدفع بالمهاجرين من أوطانهم، وخاصة فئات الشباب الأفريقي من الجنسين، وبعضها تضمن تصريحات خطيرة، تقول إن افريقيا، ومنها المغرب العربي، هو من حق الساكنة السمراء النازحة من الأقطار الإفريقية الأخرى…!
وقبل ذلك، لابد من التنويه بالدور الذي لعبته الدوائر الوطنية الرسمية، والإعلامية في وسائط التواصل الاجتماعي، وكل منها لعب دوره المقدر في الدفع بالمفوضية الأوروبية لنشر التوضيح الممتاز عن اعلان الاتفاق بين موريتانيا، والمفوضية الأوروبية، لكونه لم يتضمن ترحيل المهاجرين إلى موريتانيا، وهذا في حد ذاته، سيوقف تلك الدعاية المغرضة التي نشرتها المنظمات الأوروبية، والتبشيرية في الأقطار الإفريقية المجاورة التي روجت في وسائط التواصل الاجتماعي على أن الغربيين ببواعث رسالتهم الإنسانية تجاه الأفارقة، اتفقوا مع نظام الحكم الموريتاني، لتوطين المهاجرين الأفارقة في بلادنا، على أساسين: أنها دولة قليلة السكان، وغنية بالخيرات على ظاهر الأرض، وباطنها…!
ولعل هذا التضليل لن ينطلي في قادم الأيام المهاجرين على عكس ضعيفي النظر من العامة التي اقتنعت بالدعاية الزائفة، فقامت بطفرة من الهجرة المخيفة من مجتمعاتها نحو موريتانيا.
غير أن الشباب الأفريقي انطلاقا من الاحتكاك به في المهاجر، هو أكثر وعيا من أن تنطلي عليه محاولة خداعه، ذلك أن ما وراء هذه الدعاية، هو الوقوع بإخوتنا في حلقة مفرغة من الترحال المكلف، وغير المنظم إلى موريتانيا، وباقي أقطار المغرب العربي، وهو ما لن يحقق للشباب الإفريقي طموحاته في انتزاع حقوقه المغتصبة التي يلاحق مغتصبيها، ومختلسيها، وسارقيها من بلاده التي نهبت خيراتها من طرف الأنظمة الأمبريالية، و”سدنة” انظمة التبعية، وهي المسئولية عن افقار افريقيا، ونهب ثرواتها منذ ثلاثة قرون، ولا زال الأفارقة يزرعون، بينما الأوروبيون يحصدون الغلال..!
وما لم يتخذ زعماء افريقيا، مواقف وطنية، لطرد الوجود الاحتلالي الغربي، وشركاته النهابة – لا الاستثمارية – والناقلة لخيرات افريقيا إلى المجتمعات الغربية.
لأن الذي يوقف ظاهرة الهجرة الإفريقية، هو إحداث مشاريع تنموية مستدامة، كما يؤسس لها الآن كل من الأنظمة الوطنية الثورية في : ” بوركينا فاسو”، و” النيجر”، و” مالي”،و” غينيا” التي يقودها الجيل الثالث من القادة الثوريين الذين، سيحررون افريقيا من الغرب الأمبريالي..
ونحن في موريتانيا، كاد أن يشل تفكيرنا بهذه الهجرات التي ستؤدي لو فتح المجال لها إلى اختلال في التركيبة السكانية، بينما كان الأهتمام العام للحراك السياسي منصفا على تغيير الوعي من السلبي، والأستكاني، الى الإيجابي، والمشارك ، والفاعل في الشأن العام،،وهذا من واجبات القوة الحية في مجتمعات الوطن العربي، وافريقيا.
ومن ضمن الوعي الوطني والقومي النحرري، الوقوف الى جانب الانظمة الثورية، وتأييدها، والتطلع الى الحاضر الذي تتحرر فيها افريقيا على يد قادتها، بهكذا الأنظمة الوطنية التي تنشد الاستقلال، كما ندعو الى الاقتداء حين تقوم بطرد المحتلين، وتخطط لإقامة مشاريعها السياسية الاستقلالي، لقد بدأت مسيراتها المباركة، والمثمرة، والشجاعة، والمشجعة،، وذلك لتحرير كامل أفريقيا، وإقامة مشاريع تنموية، تستغل طاقة الشباب، وتحد من الهجرة الخارجية، وتستثمر في مصادرالثروات الطبيعية، لإقامة الأقتصادات الإفريقية المستقلة، وفي سبيل تحقيق ذلك، نتفاءل خيرا لأبناء قارتنا، ونتطلع معهم إلى الغد المشرق، وإلى التفاعل الإيجابي، والجوار الأخوي المسالم، وذلك هو الذي يجعل حاضر، ومستقبل الأجيال امتدادا للتاريخ الاجتماعي المشترك واحياء لتياراته الروحية، والثقافية، والعقيدية، فالاسلام هو عقيدة افريقيا المسلمة، وأفريقيا المسالمة، وأفريقيا ببعدها الحضاري المشترك، وأفريقيا الحرة التي شارك في ملحمة تحريرها قادة حركات التحرر العربي، والإفريقي معا منذ خمسينيات القرن الماضي، كما شاركوا في طرد الاستدمار الغربي المباشر، وغير المباشر ، ولعل الطليعة الثورية من القادة المحررين، استأنفت حركة التحرير وظهرت بشائرها التي تبعث آمالا جديدة لغد أفضل للأفارقة، والعرب معا، واستبشارا منا للغد الواعد، نتساءل متى يتحقق ذلك؟
ولعل أفريقيا، في طريقها إلى تحقيق الاستقلال الوطني، بدلا من الاستقلال الزائف الذي دالت دويلاته نظرا للفشل الذريع لحكامها من ” سدنة” الغرب، منذ قيام الانظمة السياسية المسوخ، كأنظمة صورية بما للكلمة من معنى إيحائي بالتصورات المخادعة، والدعاية الزائفة، والإعلام التشويهي، والعجز المريع عن بنينة هياكل انظمة الحكم، غير المنخورة القائمة على الفساد المالي، والإداري، التي يتوالى عليها العديد من الرؤساء بالوجوه التضليلية التي مارست العهر السياسي طيلة خمس وستين سنة من الآلام، والمعاناة، والحرمان، والأحلام المحبطة، والنتائج الصفرية..!
ونتامل خيرا لأفريقيا المحررة بقادتها الثوريين، وليس بالمتواطئين مع الغرب مهما حبلت الأرض بالخيرات، ولفظت الجبال صخورا من الحديد الذي لا يعرف لنهايته حدا، واخرجت الصحراء أثقالها من الذهب، والأورنيوم، والماس،، كما فاضت الأنهار، والبحار ببراكين الطاقة ، ولكن يجدي ذلك نفعا على مجتمعاتنا العربية، والإفريقية، بينما الذي استاثر، ويستأثر بها هو انظمة الامبرياليات المستدبرة ، وسدنتها الذين حطموا البنيات المجتمعية، وانظمتها الداخلية، حتى تفاقمت الأوضاع العامة إلى هذا الحد بسبب سوء التسيير، وسياسة الجشع، وقصيري النظر، والجشع القبلي الطفولي، بالأنانية الأستحواذية..
لذلك تضافعت موجات الهجرة من افريقيا إلى موريتانيا، ومن الأخيرة طوحت بشبابها المهاجر حتى أمريكا الشمالية، وأوروبا، ولن يختلف أحد في الحكم العام على أن هذه الهجرات في ظاهرها هي الوجه القبيح لأنظمة العمالة، والسفالة التي لا يكفي المشتكى لله تعالى منها، بل إن التوكل بعد الله، يحتاج إلى رفع مستوى الوعي، فلا خير في الأنظمة الفاسدة، سواء استوردت الهجرة الطاردة، أو سهلت الهجرة منها، أو أفحشت بتصدير أبناء أوطانها…!
فنحن في المجتمعات العربية، والافريقة، هم الباقون رغم هذا التدمير الاجتماعي، والعمراني، والتشويه الممض لسمعة البلاد، ومكانتها في المحافل الدولية، ومهما يكن من خطورة الأوضاع الاجتماعية، والسياسية، فسيتصدر التدمير هذه الانظمة السياسية” المتحورة ” رغم رغبتها الجامحة في البقاء، لكن جائحة الفساد، وانعدام المسئولية كفيلتان بهذا الموت السريري الحالي لها، وستتبعه أخرى، ولو أنها مستنسخة من سابقاتها،، ومن أولى “التحور” القاتل، إسناد المسئولية للنفايات السياسية في النظام، كاسناد الحوار السياسي في موريتانيا مع القوى السياسية الرثة خصيصا، واستثناء القوة السياسية المتطلعة للتغيير الإيجابي من الوطنيين، والقوميين الموريتانيين، حتى داخل نسق الديموقراطية الموريتانية المكلبة – بمعني التابعة للنظام، كما تتبع الكلبة للراعي – وذلك نيابة عن النظام وقادته، فبذلك، يحصل تحوير النظام بهذا العقل السياسي الأفتراضي للنفاية السياسية التي اسنبعث، إلى أكوام من القمامة السياسية المتعفنة التي لا تفكر إلا في نفسها، لأن عقلها السياسي المحاور،، كان نائما في كهفه السياسي الذي كان بصيص وعيه السياسي من “الوعي الماوي”، و”الوعي الاشتراكي الفرنسي” في سبعينيات القرن العشرين..!
لكن السؤال المطروح على قادة النظام قبل نخب الأخير الفاسدة بلا رتوش، هو هل هذا التحنيط للنظام غاب عن المستبعثين للنفايات السياسية قبل تغيبها لهم …؟! وفي كل الأحوال، ستعيش الشبيبة الموريتانية، والافريقية رغم القوى الإقليمية، والدولية المتحالفة على سياسة الحيف، والتهجير القسري إن داخليا، أو خارجيا، وستنعكس ارتدادات هذه الظروف على الانظمة، بقدر ما يتأثر بها المواطن على والمجتمعات على حد سواء، والنواتج، ستكون متقاربة، تشريد، يرافقه سقوط نظام هناك، أو هنالك ، لكن ما دور الهجرة الداخلية، والخارجية في موريتانيا، وانعكاساتها على التباطؤ الملحوظ لحركة النهوض، قبل الحديث المتفائل عن إحداث مؤشرات دالة على التطور الحداثي، والعصراني..؟
كاتب عربي موريتاني