
قبلَ أكثر من عام تداعى جميع السياسيين في البلاد على مائدة إفطار رئاسية، خُصصت للإعلان رسميا عن سعي السلطة لتنظيم حوار وطني شامل.
أعلن رئيس الجمهورية خلال المأدبة عن تعيين شخصية وطنية معروفة، تتولى التنسيق بين الأطراف المشاركة، وقال أمام الحضور إن الهدف هو حل بعض القضايا والإشكالات التي كانت مطروحة على طاولة الحوار منذ عقود، ولم تجد نصيبها من البحث والنقاش، وظلت عالقة. منوها إلى أن عمل مؤسسات الجمهورية بشكل طبيعي، لم يمنع "من تقبل إجراء الحوار والتشاور، ليتفق الموريتانيون على ما يرونه في صالح البلد".
حينها قَبِلَ الجميع الفكرة بل واستحسنها؛ واعتبرها سابقة؛ خاصة وأن رئيس الجمهورية أعلن بالحرف أن هذا الحوار سيكون شاملا؛ لايستثني أحدا؛ ولا يصادر رأيا؛ مع ضمان تنفيذ ما يتفق عليه المتحاورون.
***
ما إن فتح منسق الحوار بابه لاستقبال المقترحات والعروض؛ حتى بدأت الاشتراطات والاعتراضات والاحتجاجات تتوالى من طرف بعض "السياسيين". ومن المفارقات المثيرة للسخرية؛ أن أحزاب "الحقائب" التي لاتحمل مشروع مجتمع؛ وليست لها مرتكزات، ولامنطلقات من أي نوع؛ كانت الأعلى صوتا هذه المرة؛ و"تسَيَّدَ" قادتها مشهدَ "الرفض" و"الممانعة" داخل جلسات الحوار التمهيدية؛ وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
***
السياسة ليست لعبة نتسلى بها في أوقات الفراغ، فالأحزاب مشاريع بناء وطن، ورؤساؤها قادة مجتمع؛ وصناع رأي، أوهكذا ينبغي، ومن المتوقع منهم أن يكونوا بحجم المسؤولية التي تطوعوا للقيام بها، فالمواقف السياسية اختيارية وليست فرضَ عين، والخوض في تفاصيل الأمور يجب أن يسقبه إلمامٌ بها أولا، حتى لايكونوا كالأطرش في الزفة الذي لايفقه شيئا مما يدور حوله.
إن اتهام الأغلبية- ب"افتعال مطبات بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي يخدم المصلحة الوطنية" على حد تعبير أحد الأحزاب- فيه مجانبةٌ للواقع، ومحاولةٌ غير موفقة لتسجيل موقف. والأغرب أن الحزب المذكور هو أول من سرب لوسائل الإعلام فرية "المأمورية" من خلف الأبواب، للإجهاز على حوار لم يبدأ بعد.
***
ما نعرفه أن الأغلبية لم تتحدث عن مأمورية ثالثة؛ في أي من وثائقها؛ ولم تتضمنها الورقة المقدمة للحوار؛ لذلك فإن هذا اللغط المثار حول موضوع لم يُطرح مثيرٌ للريبة؛ خاصة وأننا لم نكمل نصف المأمورية الثانية بعد؛ والجهاز التنفيذي للدولة منهمكٌ في تنفيذ تعهدات رئيس الجمهورية وبرنامجه الوطني التنموي، وليس في وارد الإنشغال بأمور أخرى الآن.
ثم إن القضايا المطروحة في الوثائق المقدمة من مختلف الفرقاء أكثر أولوية وإلحاحا، وينبغي ان يتمحور حولها النقاش؛ بدل البحث في مسائل ليس هذا أوانُ طرحها؛ وليست ضمن جدول الأعمال، والتفكير فيها سابق لأوانه؛ ومن شأنه إرباكٌ المشهد؛ وخلطٌ الأوراق.
***
إن رئاسة الجمهورية حين تدعو للحوار الوطني الشامل؛ لاتُسددُ دينا مستحقا لأي طرف؛ ولا تستجيب لضغط؛ ولا تناور لتحقيق مكسب، إنها تسعى للمكاشفة والمصارحة، تجسيدا لقناعة رئيس الجمهورية "بأن التشاور والحوار يشكلان السبيل الأمثل لتدبير الشأن العام والتعاطي مع القضايا الوطنية الكبرى"، واستمرارا لسياسة التهدئة مع الشركاء السياسيين التي دشنها عام 2019. وكان ينبغي أن يتلقف الجميع هذه الدعوة، لا أن يحاول البعض اتخاذها وسيلة للابتزاز، وتسجيل مواقفَ سياسية آنية رخيصة.
***
يدرك السياسيون قبل غيرهم أن موريتانيا تقع في محيط إقليمي تعصف به الصراعات، وفي عالم تحكمه شريعة الغاب، وقد مرت بمطبات قوية؛ تجاوزتها جميعا بحمد الله؛ والمشهد الإقليمي من حولنا اليوم يدعو للتأمل والتدبر؛ ويفرض علينا العمل على تعزيز اللحمة الوطنية؛ وتوطيد الأواصر؛ لمواجهة التحديات؛ والحفاظ على ما تحقق لنا من مكاسب كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها توطيد دعائم الأمن والاستقرار، وهي نعمة مَنَّ الله بها علينا في هذا المنكب من الأرض.
***
في النهاية الحوار الوطني الشامل فرصة، يجب أن يغتنمها السياسيون، لأنهم المستفيد الأول- إن لم نقل الوحيدُ- منها؛ وعلى الطرف الآخر، التحلي بقدر من الواقعية؛ ومعرفة حجم وقيمة أوراقه؛ وتعليق جلبابِ الوَهْمِ الذي يرتديه على باب القاعة؛ قبل الجلوس إلى الطاولة؛ لنَثْرِ ما في كنانته؛ والإصغاء بهدوء لشركائه في الساحة.
غيرُ ذالك إفلاس في الخطاب؛ ولعبٌ مكشوفٌ في الوقت الضائع، واستعجالٌ لقطفِ ثمارٍ لم تنضج بعد؛ ولم يَحِنْ وقتُ قطافها.
سيدي محمد ولد ابه
[email protected]
.jpg)












