
في بداية عام 2025 وعلى وقع انتصار الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب الصاخب على المرشح الديمقراطي جو بايدن - الرئيس الامريكي السابق - خطر في بالي أن أكتب قصة عن مستقبل الاقتصاد والسياسة في العالم مع وعود الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب بتحييد نفوذ ما أسماها "الدولة العميقة" في أمريكا، ومن بين الأفكار الراديكالية التي خطرت في بالي حينها أنه وبعد تفاعلات عدة في المنظومة الاجتماعية الأمريكية وصل أحد أبناء الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ليبدأ حربا متعمدة وغير معلنة على الدولار الأمريكي ليزيح عن طريقه أهم معاقل الدولة العميقة (الاحتياطي الفدرالي)، على الرغم من أن القصة المتخيلة افترضت سيناريو أقرب إلى الخيال بتدمير أحد أبناء العم سام سلاحه النووي الاقتصادي، إلا أنه ومع تقدم الوقت تتكشف سيناريوهات مقاربة لتفاعلات قد تؤدي في النهاية إلى تنحي الفدرالي الأمريكي والهيمنة الأمريكية النقدية على الاقتصاد العالمي بالتبعية.
في عام 1985 تم توقيع اتفاقية بلازا، وهي اتفاقية شبيهة بما يمكن أن يفعله دونالد ترامب في مساعيه لتخفيض قيمة الدولار، نتج عن الاتفاق انخفاض نصف قيمة الدولار مقابل الين خلال سنتين بحسب دراسة نشرها المركز القومي للدراسات الاقتصادية الأمريكي عام 2015.
كانت نتيجة الاتفاق كارثية على حاملي السندات الأمريكية ومخزني الدولار كعملة احتياط مع تآكل قيمة الدولار بسرعة كبيرة، وعلى الاقتصاد الياباني الذي كان ينعم بانخفاض قيمة الين الياباني برخص صادراته من السلع والخدمات، بعد هذه الاتفاقية بفترة قصيرة دخل الاقتصاد الياباني في حالة من الركود ظلت تبعاتها تخيم على البلاد إلى يوم الناس هذا.
ما الفرق بين 1985 و2025؟
بعد مرور أربعين سنة على اتفاقية بلازا التي وقعت بين أكبر خمس اقتصاديات في العالم حينها (اليابان، ألمانيا الغربية، فرنسا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة) تغيرت موازين التجارة العالمية ومن بين أهم التغيرات انهيار الاتحاد السوفييتي 1991 وإطلاق عملة اليورو 2000 والأزمة المالية العالمية 2008 وجائحة كوفيد – 19 والأهم من ذلك كله ربما صعود الصين من خارج التجارة العالمية إلى الهيمنة عليها فقد تخطت الصادرات الصينية في عام 2024 حاجز الـ304 ترليون دولار لأول مرة بحسب تقرير نشر على شبكة الجزيرة، وذلك بعد أن كانت الصادرات الصينية ترزح في حدود عشرة مليار دولار في عام 1978، ما يعني أن الصادرات الصينية تضاعفت 340 ضعفا ما بين عام 1978 و2024، كما أن المستهدف "المعلن" من خفض الدولار في اتفاقية بلازا هو استحواذ أمريكا على حصة أكبر من التجارة الدولية خصوصا من اليابان التي ما لبثت أن تورط اقتصادها في فخ الركود حيث تبخر أكثر من ترليون دولار (خمس الناتج المحلي الياباني) منذ 1995.
اليوم المستهدف ليس اليابان، بل الصين، حاولت الصين على مدى عقود تقديم نفسها للاقتصاد العالمي على شكل حمل وديع يفعل ما يحلو للاعبين الاقتصاديين الغربيين الكبار، ولكن سرعان ما بدأت الصين مع تعاظم قدراتها الصناعية تشكيل تحالفات اقتصادية بعيدا عن الدولار مثل تقوية تحالف BRICS وتوسيع علاقاته بعيدا عن الهيمنة الغربية، ومن مساعي الصين لتجنب الوقوع في ما حصل لليابان أعقاب تخفيض الدولار توقيعها بالأمس 30 مارس اتفاقا غير متوقع مع دول آسيوية حليفة لأمريكا وهي اليابان وكوريا الجنوبية بحسب خبر نشرته اندبندت العربية، وذلك تمهيدا للتجارة الحرة بين البلدان الثلاثة سعيا لمواجهة سياط ترامب الاقتصادية المتسارعة والتي كان آخرها الرسوم الجمركية على السيارات غير المصنعة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تدخلت حيز التنفيذ في الثاني من إبريل، ما ينذر ببدء مواجهة عالمية بين الاقتصادات العالمية من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.
التبادل التجاري رهينة الدولار الأمريكي
لقد بات الدولار أفيونا للتجارة العالمية، فلما يقارب القرن من العولمة، تم بناء نظام تجاري عالمي معقد يرتكز في كل مستقِراته وتفاهماته على مركزية الدولار الأمريكي في النشاط التجاري العالمي، فلم تنجح أي محاولة لبناء أنظمة تبادل موازية بعيدا عن الدولار ذات بال، فبعد الإبعاد القسري للنقود المستقرة القيمة أو شبه المستقرتها وسهلة التسوية الدولية غير الخاضعة لتقلبات الاقتصادات المحلية كالذهب، أصبح الاقتصاد العالمي رهينة التسوية الدولارية وليس له بد منها، ففي عام 2022 وبحسب تقرير نشره بنك التسويات الدولية (BIS) في اكتوبر 2022 فان الدولار استحوذ على 88% من المعاملات في سوق الفوركس.
عند التفكير في بدائل للدولار لتنظيم التجارة الدولية في الأوساط الاقتصادية بدأت تنحصر الخيارات في بدائل قد تؤدي إلى تخلي دول العالم عن عملاتها الوطنية في سبيل إصدار عملة أو عملات موحدة على نطاقات واسعة أو التخلي نهائيا عن العملات الوطنية ومن هذه الارهاصات تبني السلفادور وإفريقيا الوسطى للعملة المشفرة "بتكوين" عملة رسمية، كما تم اعتماده كأصل تحوط وتداول في عدة دول أخرى.
كل شيء يعود إلى أصله
في الربع الاول من عام 2024 ومع اقتراب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بدأت البنوك المركزية تتدافع لشراء الذهب كان هذا التدافع مرتبطا بمخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة حول العالم فقد بلغت مشتريات البنوك المركزية من الذهب 290 طنا في أعلى مستوى لها، ما ينذر بعودة الذهب إلى أنظمة التسوية في التجارة العالمية مع بداية ضغط الصين على دول مورديها خصوصا مصدري البترول لتشكيل ثالوث (النفط - الذهب - الليوان) كونها أصحبت المستورد الأكبر للنفط ولاعبا رئيسيا جديدا في سوق الذهب مع تعاظم مشترياتها منه وبالطبع كونها المصدر الأكبر في العالم بصادرات بلغت 34 ترليون دولار عام 2024.
أين موريتانيا من هذه التحولات؟
لحسن حظ موريتانيا فإن وارداتها "الدولارية" وصادرتها "اليوروية" ستجنبانها تبعات حرب الفوركس المرتقبة وأي تفاهمات ستقضي بخفض قيمة الدولار، يمكن حصر التأثير المتوقع لهذا الخفض في تأثيرين مباشر وآخر غير مباشر، أما المباشر منها فهو تحسن قيمة الأوقية الموريتانية وتعزيز القدرة الشرائية للموريتانيين حيث إن أكثر من 85% من واردات موريتانيا تتم تسويتها بالدولار الأمريكي ما سيحدو بالمركزي الموريتاني غالبا، أن يقوم بشراء الدولار منخفض القيمة لتثبيت صرف الأوقية كون المركزي الموريتاني يميل إلى التثبيت في مقابل التذبذب صعودا أو هبوطا، أما الصادرات فلحسن الحظ أن غالبها ليست دولارية ما يعني أن تنافسية الصادرات الموريتانية لن تتضرر نتيجة لتخفيض الدولار.
ولكن في المقابل ستنخفض قيمة تحويلات المهاجرين القابعين في الاقتصادات الدولارية، حيث قالت المنظمة الدولية للهجرة إن عدد المهاجرين الموريتانيين في الخارج بلغ 128.5 ألف شخص، وتقدر تحويلاتهم الأسبوعية بأكثر من مليون دولار، أي أكثر من 52 مليون دولار سنويا.
ومن الآثار المباشرة أيضا انخفاض تكاليف الائتمان على الدولة الموريتانية وانخفاض أصول الديون أيضا حيث إن معظم الديون الموريتانية الخارجية البالغة ما يقارب 200 مليار أوقية جديدة مقومة بالدولار (حوالي 5 مليار دولار أمريكي) مما سيتيح فرصة مواتية لتسوية الديون المبكرة خصوصا طويلة الأجل ذات التكاليف الأعلى المرنة، والحصول على تمويلات جديدة في سوق ائتمان يتوعده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمزيد من خفض معدلات الفائدة.
أما التأثيرات غير المباشرة لانخفاض قيمة الدولار (والمصحوب بالتعريفات الجمركية) - ومن وجهة نظر استهلاكية – على الاقتصاد الموريتاني فمنها انخفاض أسعار الناتج العالمي نتيجة لاحتدام تنافس الموازين التجارية للاقتصادات العالمية مع حروب تخفيض العملة والتعريفات المتبادلة ما سيؤدي إلى تكوم فائض في المخزونات العالمية من السلع وعرض أكبر للخدمات سيتيح للاقتصادات النامية فرصة الوصول إلى موارد أكثر وتعزيز تقدمها التقني والصناعي واستفادتها من حالة الاصطفاف الدولي.
كما يمكن للحرب النقدية - التجارية المتسارعة أن تصعد بأسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة ما سيعزز مساهمة الذهب في الناتج المحلي الوطني، بل وأثناء كتابتي للمقال بلغ بالفعل سعر الذهب مستوى غير مسبوق عند 3100 دولار للأوقية التي تمثل أكبر عنصر من عناصر الناتج الموريتاني حيث بلغت حصته نصف الناتج المحلي الموريتاني نهاية العام السابق.
كيف يمكن لموريتانيا استغلال الوضع الراهن؟
يمكن لموريتانيا وضع استراتيجيات متعددة للاستفادة من الأوضاع العالمية الجديدة، إما عبر التعاون مع أوروبا أو اقتصاديات آسيا العملاقة، أما بالنسبة للتعاون مع أوروبا فيمكن أيضا أن يقسم إلى قسمين؛ الأول: ترغيب أوروبا في تحويل موريتانيا إلى مستهلك للسلع الأوربية، ففي مقال سابق نشرته في فبراير 2025 على موقع الأخبار أشرت إلى ضرورة استغلال موريتانيا اضطرابات سوق الطاقة الأوروبي بسبب التنافر الروسي - الأوربي، اليوم وبعد انضمام أمريكا إلى روسيا في جفاء أوروبا أصبح حتما على أوروبا مد يد التعاون إلى إفريقيا عبر شراكات تقتضي استثمار أوروبا في تمويل مشاريع الطاقة والصناعة والبنية التحية الصناعية، فيمكن لموريتانيا على سبيل المثال حال تحسن دخلها القومي عبر تمويل أوروبي لمشاريع الطاقة والصناعة مثل استخراج الغاز والصناعات التحويلية للغاز والذهب والحديد والنحاس والزراعة والصيد الى تعزيز استهلاكها للمنتجات والخدمات الأوروبية.
ثانيا: تقديم موريتانيا كمنصة لتوزيع السلع الأوروبية وذلك عبر تعاون أوروبي - موريتاني في تطوير البنية التحية التجارية لتبادل السلع الأوروبية - الإفريقية مثل الموانئ والطرق التجارية والسكك الحديدية ما سيسهم في إضافة أسواق جديدة إلى أوروبا وتعزيز تبادلها التجاري مع إفريقيا.
أما بالنسبة للتعاون مع الاقتصاديات الآسيوية فكما أشرنا سابقا فإن المستهدف الرئيسي من خفض الدولار المتعمد هو خفض حصة الصين من التجارة الدولية، بنفس المفهوم يمكن أن نشير إلى أن فرصة موريتانيا في التعاون مع دول شرق آسيا تتنوع بين الحصول على تمويلات من الصين وباقي الدول الآسيوية لقطاعات الطاقة والصناعات التحويلية والبنية التحتية التجارية لتعزيز دور موريتانيا كميناء لتلقي البضائع الآسيوية ونقلها عبر طرق تجارية تعبر موريتانيا إلى القارة الإفريقية تعبر خلالها البضائع الصينية وباقي الاقتصادات الآسيوية المكتوية بسياط الرئيس الحالي دونالد ترامب.
من ناحية أخرى، فإن الصين هي أكبر مستورد للغاز المسال في العالم، فبإمكان موريتانيا وبسهولة إقناع الصينين بالمساهمة في أنشطة الطاقة الموريتانية عبر عقود مزدوجة بين التمويل وبيع شحنات الطاقة الناتجة عن أنشطة الطاقة الممولة، وربما إعادة دفع القروض بواسطة شحنات الغاز المسال، كما بدا يحلو للصين أن تفعل في أوقات الأزمات حيث تفضل الصفقات ذات طبيعة المقايضة كما يمكن أن يتم ذلك أيضا مع باقي المصنعين الآسيويين.